٤٨{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْراهِيمَ } ، وقرأ ابن عباس وابن كثير وأهل مكة ، عبدنا على الإفراد ، وإبراهيم بدل منه ، أو عطف بيان . والجمهور على الجمع ، وما بعده من الثلاثة بدل أو عطف بيان . وقرأ الجمهور :{ أُوْلِى الاْيْدِى } ، بالياء . قال ابن عباس ومجاهد : القوة في طاعة اللّه . وقيل : إحسانهم في الدين وتقدمهم عند اللّه على عمل صدق ، فهي كالأيدي ، وهو قريب مما قبله . وقيل : النعم التي أسداها اللّه إليهم من النبوة والمكانة . وقيل { الاْيْدِى } : الجوارح المتصرفة في الخير ، { وَالاْبْصَارُ } الثاقبة فيه . قال الزمخشري : لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت ، فقيل في كل عمل : هذا مما عملت أيديهم ، وإن كان عملاً لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدي ، أو كان العمال جذماً لا أيدي لهم ، وعلى ذلك ورد قوله عز وعلا :{ أُوْلِى الاْيْدِى وَالاْبْصَارِ } ، يريد : أولي الأعمال والفكر ؛ كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ، ولا يجاهدون في اللّه ؛ ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات ، ولا يستبصرون في حكم الزمني الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم ، والمسلوبي العقول الذين لا استبصار بهم ؛ وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال اللّه ، ولا من المستبصرين في دين اللّه ، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منها . انتهى ، وهو تكثير . وقال أبو عبد اللّه الرازي : اليد آلة لأكثر الأعمال ، والبصر آلة لأقوى الإدراكات ، فحسن التعبير عن العمل باليد ، وعن الإدراك بالبصر . والنفس الناطقة لهو قوّتان : عاملة وعالمة ، فأولي الأيدي والأبصار إشارة إلى هاتين الحالتين . وقرأ عبد اللّه ، والحسن ، وعيسى ، والأعمش : الأيد بغير ياء ، فقيل : يراد الأيدي حذف الياء اجتزاء بالكسرة عنها ، ولما كانت أل تعاقب التنوين ، حذفت الياء معها ، كما حذفت مع التنوين ، وهذا تخريج لا يسوغ ، لأن حذف هذه الياء مع وجود أل ذكره سيبويه في الضرائر . وقيل : الأيدي : القوة في طاعة اللّه ، والأبصار : عبارة عن البصائر التي يبصرون بها الحقائق وينظرون بنور اللّه تعالى . وقال الزمخشري : وتفسير الأيدي من التأييد قلق غير متمكن ، وإنما كان قلقاً عنده لعطف الأبصار عليه ، ولا ينبغي أن يعلق ، لأنه فسر أولي الأيدي والأبصار بقوله : يريد أولي الأعمال والفكر . وقرىء : الأيادي ، جمع الجمع ، كأوطف وأواطف . وقرأ أبو جعفر ، وشيبة ، والأعرج ، ونافع ، وهشام : بخالصة ، بغير تنوين ، أضيفت إلى ذكرى . وقرأ باقي السبعة بالتنوين ، و { ذِكْرِى } بدل من { بِخَالِصَةٍ} وقرأ الأعمش ، وطلحة : بخالصتهم ، و { أَخْلَصْناهُمْ } : جعلناهم لنا خالصين وخالصة ، يحتمل ، وهو الأظهر ، أن يكون اسم فاعل به عن مزية أو رتبة أو خصلة خالصة لا شوب فيها ، ويحتمل أن كون مصدراً ، كالعاقبة ، فيكون قد حذف منه الفاعل ، أي أخلصناهم بأن أخلصوا ذكرى الدار ، فيكون ذكرى مفعولاً ، أو بأن أخلصنا لهم ذكرى الدار ، أو يكون الفاعل ذكرى ، أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار ، والدار في كل وجه من موضع نصب بذكرى ، وذكرى مصدر ، والدار دار الآخرة . قال قتادة : المعنى بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة ، ودعا الناس إليها وحضهم عليها . وقال مجاهد : خلص لهم ذكرهم الدار الآخرة ، وخوفهم لها . والعمل بحسب ذلك . وقال ابن زيد : وهبنا لهم أفضل ما في الدار الآخرة ، وأخلصناهم به ، وأعطيناهم إياه . و قال ابن عطية : ويحتمل أن يريد بالدار دار الدنيا ، على معنى ذكر الثناء والتعظيم من الناس ، والحمد الباقي الذي هو الخلد المجازي ، فتجيء الآية في معنى قوله :{ لِسَانَ صِدْقٍ } ، وقوله :{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاْخِرِينَ} انتهى . وحكى الزمخشري هذا الاحتمال قولاً فقال : وقيل { ذِكْرَى الدَّارِ } : الثناء الجميل في الدنيا ولسان الصدق . انتهى . والباء في بخالصة باء السبب ، أي بسبب هذه الخصلة وبأنهم من أهلها ، ويعضده قراءة بخالصهم { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ } ،أي المختارين من بين أبناء جنسهم ، { الاْخْيَارِ } : جمع خير ، وخير كميت وميت وأموات . وتقدم الكلام في اليسع في سورة الأنعام ، وذا الكفل في سورة الأنبياء . وعندنا ظرف معمول لمحذوف دل عليه المصطفين ، أي وأنهم مصطفون عندنا ، أو معمول للمصطفين ، وإن كان بأل ، لأنهم يتسمحون في الظرف والمجرور ما لا يتسمحون في غيرهما ، أو على التبيين ، أي أعني عندنا ، ولا يجوز أن يكون عندنا في موضع الخبر ، ويعني بالعندية : المكانة ، ولمن المصطفين : في موضع خبر ثان لوجود اللام ، لا يجوز أن زيداً قائم لمنطلق ، { وَكُلٌّ } : أي وكلهم ، من الأخيار . |
﴿ ٤٨ ﴾