١٦الظاهر أن الإنسان هنا جنس الكافر ، وقيل : معين ، كعتبة بن ربيعة . ويدخل في الضر جميع المكاره في جسم أو أهل أو مال .{ دَعَا رَبَّهُ } : استجار ربه وناداه ، ولم يؤمل في كشف الضر سواه ، { مُنِيباً إِلَيْهِ } : أي راجعاً إليه وحده في إزالة ذلك .{ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ } : أناله وأعطاه بعد كشف ذلك الضر عنه . وحقيقة خوله أن يكون من قولهم : هو خائله ، قال : إذا كان متعهداً حسن القيام عليه ، أو من خال يخول ، إذا إختال وافتخر ، وتقول العرب : إن الغني طويل الذيل مياس {نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو } : أي ترك ، والظاهر أن ما بمعنى الذي ، أي نسى الضر الذي كان يدعو اللّه إلى كشفه . وقيل : ما بمعنى من ، أي نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل في كشف ضره . وقيل : ما مصدرية ، أي نسي كونه يدعو . وقيل : تم الكلام عند قوله :{ نَسِىَ } ،أي نسي ما كان فيه من الضر . وما نافية ، نفى أن يكون دعاء هذا الكافر خالصاً للّه مقصوراً من قبل الضرر ، وعلى الأقوال السابقة .{ مِن قَبْلُ } : أي من قبل تخويل النعمة ، وهو زمان الضرر .{ وَجَعَلَ للّه أَندَاداً } : أي أمثالاً يضاد بعضها بعضاً ويعارض . قال قتادة : أي من الرجال يطيعونهم في المعصية . وقال غيره : أوثاناً ، وهذا من سخف عقولهم . حين مسى الضر دعوا اللّه ولم يلتجئوا في كشفه إلا إليه ؛ وحين كشف ذلك وخول النعمة أشركوا به ، فاللام لام العلة ، وقيل : لام العاقبة . وقرأ الجمهور :{ لِيُضِلَّ } ، بضم الياء : أي ما اكتفى بضلال نفسه حتى جعل غيره يضل . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمر ، وعيسى : بفتحها ، ثم أتى بصيغة الأمر فقال :{ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } : أي تلذذوا صنع ما شئت قليلاً ، أي عمراً قليلاً ، والخطاب للكافر جاعل الأنداد للّه .{ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } : أي من سكانها المخلدين فيها . وقال الزمخشري : وقوله { تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ } ،أي من باب الخذلان والتخلية ، كأنه قيل له : إذ قد أبيت قبل ما أمرت به من الإيمان والطاعة ، فمن حقك أن لا تؤمر به بعد ذلك . ويؤمر بتركه مبالغة خذلانه وتخليته وشأنه ، لأنه لا مبالغة في الخذلان أشد من أن يبعث على عكس ما أمروا به ، ونظيره في المعنى :{ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} انتهى . ولما شرح تعالى شيئاً من أحوال الظالمين الضالين المشركين ، أردفه بشرح أحوال المهتدين الموحدين فقال :{ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وحمزة ، والأعمش ، وعيسى ، وشيبة ، والحسن في رواية : أمن ، بتخفيف الميم . والظاهر أن الهمزة لاستفهام التقرير ، ومقابله محذوف لفهم المعنى ، والتقدير : أهذا القانت خير أم الكافر المخاطب بقوله { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ } ؟ ويدل عليه قوله :{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ومن حذف المقائل قول الشاعر : دعاني إليها القلب إني لأمرها سميع فما أدري أرشد طلابها تقديره : أم غيّ . وقال الفراء : الهمزة للنداء ، كأنه قيل : يا من هو قانت ، ويكون قوله قل خطابا له ، وهذا القول أجنبي مما قبله وما بعده . وضعف هذا القول أبو علي الفارسي ، ولا التفات لتضعيف الأخفش وأبي حاتم هذه القراءة . وقرأ باقي السبعة ، والحسن ، وقتادة ، والأعرج ، وأبو جعفر : أمّن ، بتشديد الميم ، وهي أم أدغمت ميمها في ميم من ، فاحتملت أم أن تكون متصلة ومعادلها محذوف قبلها تقديره : أهذا الكافر خير أم من هو قانت ؟ قال معناه الأخفش ، ويحتاج مثل هذا التقدير إلى سماع من العرب ، وهو أن يحذف المعادل الأول . واحتملت أم أن تكون منقطعة تتقدر ببل ، والهمزة والتقدير : بل أم من هو قانت صفته كذا ، كمن ليس كذلك . وقال النحاس : أم بمعنى بل ، ومن بمعنى الذي ، والتقدير : بل الذي هو قانت أفضل ممن ذكر قبله . انتهى . ولا فضل لمن قبله حتى يجعل هذا أفضل ، بل يقدر الخبر من أصحاب الجنة ، يدل عليه مقابله :{ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} والقانت : المطيع ، قاله ابن عباس ، وتقدم الكلام في القنوت في البقرة . وقرأ الجمهور :{ سَاجِداً وَقَائِماً } ، بالنصب على الحال ؛ والضحاك : برفعهما إما على النعت لقانت ، وإما على أنه خبر بعد خبر ، والواو للجمع بين الصفتين .{ يَحْذَرُ الاْخِرَةَ } : أي عذاب الآخرة ، { مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ } : أي حصولها ، وقيل : نعيم الجنة ، وهذا المتصف بالقنوت إلى سائر الأوصاف ، قال مقاتل : عمار ، وصهيب ، وابن مسعود ، وأبو ذر . وقال ابن عمر : عثمان . وقال ابن عباس في رواية الضحاك : أبو بكر وعمر . وقال يحيى بن سلام : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. والظاهر أنه من اتصف بهذه الأوصاف من غير تعيين . وفي الآية دليل على فضل قيام الليل ، وأنه أرجح من قيام النهار . ولما ذكر العمل ذكر العلم فقال :{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } ، فدل أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين ، فكما لا يستوي هذان ، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي . والمراد بالعلم هنا : ما أدى إلى معرفة اللّه ونجاة العبد من سخطه . وقرأ : يذكر ، بإدغام تاء يتذكر في الذال .{ قُلْ ياأَهْلَ عِبَادِ الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ } ، وروي أنها نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا عن الهجرة إلى أرض الحبشة ، وعدهم تعالى فقال :{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هاذِهِ الْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} والظاهر تعلق في هذه بأحسنوا ، وأن المحسنين في الدنيا لهم في الآخرة حسنة ، أي حسنة عظيمة ، وهي الجنة ، قاله مقاتل ، والصفة محذوفة يدل عليها المعنى ، لأن من أحسن في الدنيا لا يوعد أن يكون له في الآخرة مطلق حسنة . وقال السدي : في هذه من تمام حسنة ، أي ولو تأخر لكان صفة ، أي الذين يحسنون لهم حسنة كائنة في الدنيا . فلما تقدم انتصب على الحال ، والحسنة التي لهم في الدنيا هي العافية والظهور وولاية اللّه تعالى . ثم حض على الهجرة فقال : { وَأَرْضُ اللّه وَاسِعَةٌ } ،كقوله :{ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّه واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } ،أي لا عذر للمفرطين البتة ، حتى لو اعتلوا بأوطانهم ، وأنهم لا يتمكنون فيها من أعمال الطاعات ، قيل لهم : إن بلاد اللّه كثيرة واسعة ، فتحولوا إلى الأماكن التي تمكنكم فيها الطاعات . وقال عطاء : وأرض اللّه : المدينة للّهجرة ، قيل : فعلى هذا يكون أحسنوا : هاجروا ، وحسنة : راحة من الأعداء . وقال قوم : أرض اللّه هنا : الجنة . قال ابن عطية : وهذا القول تحكم ، لا دليل عليه . انتهى . وقال أبو مسلم : لا يمتنع ذلك ، لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى ؛ ثم بين أنه من اتقى له في الآخرة الحسنة ، وهي الخلود في الجنة ؛ ثم بين أن أرض اللّه واسعة لقوله :{ وَأَوْرَثَنَا الاْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء } ، وقوله :{ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ولما كانت رتبة الإحسان منتهى الرتب ، كما جاء : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد اللّه كأنك تراه . وكان الصبر على ذلك من أشق الأشياء ، وخصوصاً من فارق وطنه وعشيرته وصبر على بلاء الغربة . ذكر أن الصابرين يوفون أجورهم بغير حساب ، أي لا يحاسبون في الآخرة ، كما يحاسب غيرهم ؛ أو يوفون ما لا يحصره حساب من الكثرة .{ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّه مُخْلِصاً لَّهُ الدّينَ } : أمره تعالى أن يصدع الكفار بما أمر به من عبادة اللّه ، يخلصها من الشوائب ، { وَأُمِرْتُ } : أي أمرت بما أمرت ، لأكون أول من أسلم ، أي انقاد للّه تعالى ، ويعني من أهل عصره أو من قومه ، لأنه أول من حالف عباد الأصنام ، أو أول من دعوتهم إلى الإسلام إسلاماً ، أو أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ، لأكون مقتدى بي قولاً وفعلاً ، لا كالملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون ، أو أن أفعل ما أستحق به الأولية من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف عطف أمرت على أمرت وهما واحد ؟ قلت : ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما ، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء ، والأمر به لتحرز به قصب السبق في الدين شيء . وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ، ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت ، لأن أفعل لا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح ، كأنها زيدت عوضاً من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه ، كما عوض السين في اسطاع عوضاً من ترك الأصل الذي هو أطوع . والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله :{ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} انتهى . ويحتمل في أن أكون في ثلاثة المواضع أصله لأن أكون ، فيكون قد حذفت اللام ، والمأمور به محذوف ، وهو المصرح به هنا { إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّه}{ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } : تقدّم الكلام على هذه الجملة مقول القول في سورة يونس . لما أمره أولاً أن يخبر بأنه أمر بعبادة اللّه ، أمر ثانياً أن يخبر بأنه يعبد اللّه وحده . وتقديم الجلالة دال على الاهتمام بمن يعبد ، وعند الزمخشري يدل على الاختصاص ، قال : ولدلالته على ذلك ، قدم المعبود على فعل العبادة ، وأخره في الأول . فالكلام أولاً واقع في الفعل في نفسه وإيجاده ، وثانياً فيمن يفعل الفعل لأجله ، ولذلك رتب عليه قوله :{ فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ} والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير المبالغة في الخذلان والتخلية . انتهى . وقال غيره :{ فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ } : صيغة أمر على جهة التهديد لقوله :{ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ}{ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ } : أي حقيقة الخسران ، { الَّذِينَ خَسِرُواْ } : أي هم الذين خسروا أنفسهم ، حيث صاروا من أهل النار ، وأهليهم الذين كانوا معهم في الدنيا ، حيث كانوا معهم في النار ، فلم ينتفعوا منهم بشيء ، وإن كان أهلوهم قد آمنوا ، فخسرانهم إياهم كونهم لا يجتمعون بهم ولا يرجعون إليهم . وقال قتادة : كأن اللّه قد أعد لهم أهلاً في الجنة فخسروهم ، وقال معناه ميمون بن مهران . وقال الحسن : هي الحور العين ، ثم ذكر ذلك الخسران وبالغ فيه في التنبيه عليه أولاً ، والإشارة إليه ، وتأكيده بالفعل ، وتعريفه بأل ، ووصفه بأنه المبين : أي الواضح لمن تأمله أدنى تأمل . ولما ذكر خسرانهم أنفسهم وأهليهم ، ذكر حالهم في جهنم ، وأنه من فوقهم ظلل ومن تحت أرجلهم ظلل ، فيظهر أن النار تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم ، وسمى ما تحتهم ظللاً لمقابلة ما فوقهم ، كما قال :{ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } ، وقال لهم :{ مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } وقيل : هي ظلل للذين هم تحتهم ، إذ النار طباق . وقيل : إنما تحتهم يلتهب ويتصاعد منه شيء حتى يكون ظلة ، فسمي ظلة باعتبار ما آل إليه أخيراً .{ ذالِكَ } : أي ذلك العذاب ، يخوف اللّه به عباده : ليعلموا ما يخلصكم منه ، ثم ناداهم وأمرهم فقال :{ قَلِيلاً وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ } : أي اتقوا عذابي . |
﴿ ١٦ ﴾