٣٤الجمهور : على أن هذا المؤمن هو الرجل القائل : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً } ، قص اللّه أقاويله إلى آخر الآيات . لما رأى ما لحق فرعون من الخور والخوف ، أتى بنوع آخر من التهديد ، وخوفهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من استئصال الهلاك حين كذبوا رسلهم ، وقويت نفسه حتى سرد عليه ما سرد ، ولم يهب فرعون . وقالت فرقة : بل كلام ذلك المؤمن قد تم ، وإنما أراد تعالى بالذي آمن بموسى ، عليه السلام ، واحتجوا بقوة كلامه ، وأنه جنح معهم بالإيمان ، وذكر عذاب الآخرة وغير ذلك ، ولم يكن كلام الأول الاعلانية لهم ، وأفرد اليوم ، إما لأن المعنى مثل أيام الأحزاب ، أو أراد به الجمع ، أي مثل أيام الأحزاب لأنه معلوم أن كل حزب كان له يوم . و { الاْحَزَابِ الَّذِينَ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الاْحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ } ، قال ابن عطية : بدل . وقال الزمخشري : عطف بيان . وقال الزجاج : مثل يوم حزب ودأب عادتهم ودينهم في الكفر والمعاصي .{ وَمَا اللّه يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } ،أي إن إهلاكه إياهم كان عدلاً منه ، وفيه مبالغة في نفي الظلم ، حيث علقه بالإرادة . فإذا نفاه عن الإرادة ، كأن نفيه عن الوقوع أولى وأحرى . ولما خوفهم أن يحل بهم في الدنيا ما حل بالأحزاب ، خوفهم أمر الآخرة فقال ، تعطفاً لهم بندائهم :{ يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد } ، وهو يوم الحشر . والتنادي مصدر تنادي القوم : أي نادى بعضهم بعضاً . قال الشاعر : تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا فقلت أعند اللّه ذلكم الردى وسمي يوم التنادي ، إما لنداء بعضهم لبعض بالويل والثبور ، وإما لتنادي أهل الجنة وأهل النار على ما ذكر في سورة الأعراف ، وإما لأن الخلق ينادون إلى المحشر ، وإما لنداء المؤمن : { هاؤم اقرؤا كتابيه } ، والكافر :{ فَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} وقرأت فرقة : التناد ، بسكون الدال في الوصل أجراه مجرى الوقف وقرأ ابن عباس ، والضحاك ، وأبو صالح ، والكلبي ، والزعفراني ، وابن مقسم : التناد ، بتشديد الدال : من يد البعير اذا هرب . كما قال يوم يفر المرء من اخيه الآية وقال ابن عباس ، وغيره : في الثناء خفيفة الدال هو التنادي ، أي يكون بين الناس عند النفخ في الصور ونفخة الفزع في الدنيا ، وأنهم يفرون على وجوههم للفزع التي نالهم ، وينادي بعضهم بعضاً . وروي هذا التأويل عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. و قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون التذكر بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار والعصاة . انتهى . قال أمية بن أبي الصلت : وبث الخلق فيها إذ دحاها فهم سكانها حتى التنادي وفي الحديث : { إن للناس جولة يوم القيامة يندّون } ، يظنون أنهم يجدون مهرباً ؛ ثم تلا : { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } ، قال مجاهد : معناه فارين . وقال السدّي :{ مَا لَكُمْ مّنَ اللّه مِنْ عَاصِمٍ } في فراركم حتى تعذبوا في النار . وقال قتادة : ما لكم في الانطلاق إليها من عاصم ، أي مانع ، يمنعكم منها ، أو ناصر . ولما يئس المؤمن من قبولها قال :{ وَمَن يُضْلِلِ اللّه فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} ثم أخذ يوبخهم على تكذيب الرسل ، بأن يوسف قد جاءهم بالبينات . والظاهر أنه يوسف بن يعقوب ، وفرعون هو فرعون موسى ، وروى أشهب عن مالك أنه بلغه أن فرعون عمر أربعمائة سنة وأربعين سنة . وقيل : بل الجائي إليهم هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب ، وأن فرعون هو فرعون ، غير فرعون موسى . و { بِالْبَيِّنَاتِ } : بالمعجزات . فلم يزالوا شاكين في رسالته كافرين ، حتى إذا توفى ، { قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللّه مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} وليس هذا تصديقاً لرسالته ، وكيف وما زالوا في شك منه ، وإنما المعنى : لا رسول من عند اللّه فيبعثه إلى الخلق ، ففيه نفي الرسول ، ونفي بعثته . وقرىء : ألن يبعث ، بإدخال همزة الاستفهام على حرف النفي ، كأن بعضهم يقرر بعضاً على نفي البعثة .{ كَذالِكَ } : أي مثل إضلال اللّه إياكم ، أي حين لم تقبلوا من يوسف ، { يُضِلُّ اللّه مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } : يعنيهم ، إذ هم المسرفون المرتابون في رسالات الأنبياء . |
﴿ ٣٤ ﴾