٧٥أمر اللّه تعالى نبيه ، عليه السلام ، أن يخبرهم بأنه نهى أن يعبد أصنامهم ، لما جاءته البينات من ربه ، فهذا نهي بالسمع ، وإن كان منهياً بدلائل العقل ، فتظافرت أدلة السمع وأدلة العقل على النهي عن عبادة الأوثان . فمن أدلة السمع قوله تعالى :{ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللّه خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } إلى غير ذلك ، وذكره أنه نهى بالسمع لا يدل على أنه كان منهياً بأدلة العقل . ولما نهى عن عبادة الأوثان ، أخبر أنه أمر بالاستسلام للّه تعالى ، ثم بين أمر الوحدانية والألوهية التي أصنامهم عارية عن شيء منهما ، بالاعتبار في تدريج ابن آدم بأن ذكر مبدأه الأول ، وهو من تراب . ثم أشار إلى التناسل بخلقه من نطفة ، والطفل اسم جنس ، أو يكون المعنى :{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ } ،أي كل واحد منكم طفلاً } ، وتقدم الكلام على بلوغ الأشد . و ، وتقدم الكلام على بلوغ الأشد . و { مِن قَبْلُ } ، قال مجاهد : من قبل أن يكون شيخاً ، قيل : ويجوز أن يكون من قبل هذه الأحوال ، إذا خرج سقطاً ، وقيل : عبارة بتردده في التدريج المذكور ، ولا يختص بما قبل الشيخ ، بل منهم من يموت قبل أن يخرج طفلاً ، وآخر قبل الأشد ، وآخر قبل الشيخ . { وَلِتَبْلُغُواْ } : متعلق بمحذوف ، أي يبقيكم لتبلغوا ، أي ليبلغ كل واحد منكم أجلاً مسمى لا يتعداه . قال مجاهد : يعني موت الجميع ، وقيل : هو يوم القيامة . و { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ما في ذلك من العبرة والحجج ، إذا نظرتم في ذلك وتدبرتم . ولما ذكر ، رتب الإيجاد ، ذكر أنه المتصف بالإحياء والإمانة ، وأنه متى تعلقت إرادته بإيجاد شيء أوجده من غير تأخر ، وتقدم الكلام على مثل هذه الجمل . ثم قال بعد ظهور هذه الآيات : ألا تعجب إلى المجادل في رسالة الرسول عليه السلام والكتاب الذي جاء به بدليل قوله :{ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا } ، ثم هددهم بقوله :{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ، وهذا قول الجمهور . وقال محمد بن سيرين وغيره : هي إشارة إلى أهل الأهواء من الأمة ، ورووا في نحو هذا حديثاً وقالوا : هي في أهل القدر ومن جرى مجراهم ، ويلزم قائلي هذه المقالة أن يجعل قوله :{ الَّذِينَ كَذَبُواْ } كلاماً مستأنفاً في الكفار ، ويكون { الَّذِينَ كَذَبُواْ } مبتدأ ، وخبره :{ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وأما على الظاهر ، فالذين بدل من الذين ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو منصوباً على الذم ، وإذ ظرف لما مضى ، فلا يعمل فيه المستقبل ، كما لا يقول : سأقوم أمس ، فقيل : إذا يقع موقع إذ ، وأن وقعها على سبيل المجاز ، فيكون إذ هنا بمعنى إذا ، وحسن ذلك تيقن وقوع الأمر ، وأخرج في صيغة الماضي ، وإن كان المعنى على الاستقبال . قال النخعي : لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل ، لا رحضة حتى يبلغ إلى الماء الأسود . وقرأ : والسلاسل عطفاً على الأغلال ، يسحبون مبنياً للمفعول . وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن علي ، وابن وثاب ، والمسيء في اختياره : والسلاسل بالنصب على المفعول ، يسحبون مبنياً للفاعل ، وهو عطف جملة فعلية على جملة اسمية . وقرأت فرقة منهم ابن عباس : والسلاسل ، بجر اللام . قال ابن عطية : على تقدير ، إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل ، فعطف على المراد من الكلام لا على ترتيب اللفظ ، إذ ترتيبه فيه قلب ، وهو على حد قول العرب : أدخلت القلنسوة في رأسي ، وفي مصحف أبي : وفي السلاسل يسحبون . وقال الزمخشري : ووجهه أنه لو قيل : إذ أعناقهم في الأغلال ، مكان قوله :{ إِذِ الاْغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ } ، لكان صحيحاً مستقيماً . فلما كانتا عبارتين معتقبتين ، حمل قوله :{ والسَّلَاسِلُ } على لعبارة الأخرى ، ونظيره قول الشاعر : مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعبا إلا ببين غرابها كأنه قيل : بمصلحين . وقرىء : وبالسلاسل ، انتهى ، وهذا يسمى العطف على التوهم ، ولكن توهم إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها ، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها ، ونظير ذلك قول الشاعر : أحدك لن ترى بثعيلبات ولا بيداء ناجية زمولا ولا متدارك والليل طفل ببعض نواشع الوادي حمولا التقدير : لست براء ولا متدارك . وهذا الذي قاله ابن عطية والزمخشري سبقهما إليه الفراء ، قال : من جر السلاسل حمله على المعنى ، لأن المعنى : أعناقهم في الأغلال والسلاسل . وقال الزجاج : من قرأ بحفص والسلاسل ، فالمعنى عنده : وفي السلاسل يسحبون . وقال ابن الأنباري : والخفض على هذا المعنى غير جائز ، لو قلت : زيد في الدار ، لم يحسن أن تضمر في فتقول : زيد الدار ، ثم ذكر تأويل الفراء ، وخرج القراءة ثم قال : كما تقول : خاصم عبد اللّه زيداً العاقلين ، بنصب العاقلين ورفعه ، لأن أحدهما إذا خاصمه صاحبه فقد خاصمه الآخر . انتهى ، وهذه المسألة لا تجوز عند البصريين ، وهي منقول جوازها عن محمد بن سعفان الكوفي ، قال : لأن كل واحد منهما فاعل مفعول ، وقرىء : وبالسلاسل يسحبون ، ولعل هذه القراءة حملت الزجاج على أن تأول الخفض على إضمار حرف الجر ، وهو تأويل شذوذ . وقال ابن عباس : في قراءة من نصب والسلاسل ، وفتح ياء يسحبون إذا كانوا يجرونها ، فهو أشد عليهم ، يكلفون ذلك وهم لا يطيقون . وقال مجاهد : { يُسْجَرُونَ } : يطرحون فيها ، فيكونون وقوداً لها . وقال السدي : يسجرون : يحرقون . ثم أخبر تعالى أنهم يوقفون يوم القيامة من جهة التوبيخ والتقريع ، فيقال لهم : أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا ؟ فيقولون :{ ضَلُّواْ عَنَّا } : أي تلفوا منا وغابوا واضمحلوا ، ثم تضطرب أقوالهم ويفزعون إلى الكذب فيقولون :{ بَل لَّمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئاً } ، وهذا من أشد الاختلاط في الذهن والنظر . ولما تبين لهم أنهم لم يكونوا شيئاً ، وما كانوا يعبدون بعبادتهم شيئاً ، كما تقول : حسبت أن فلاناً شيء ، فإذا هو ليس بشيء إذا اختبرته ، فلم تر عنده جزاء ، وقولهم :{ ضَلُّواْ عَنَّا } ، مع قوله :{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنَّمَ } ، يحتمل أن يكون ذلك عند تقريعهم ، فلم يكونوا معهم إذ ذاك ، أو لما لم ينفعوهم قالوا :{ ضَلُّواْ عَنَّا } ، وإن كانوا معهم .{ كَذالِكَ } : أي مثل هذه الصفة وبهذا الترتيب ، { يُضِلُّ اللّه الْكَافِرِينَ } ، وقال الزمخشري : أي مثل ضلال آلهتهم عنهم ، يضلهم عن آلهتهم ، حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا . ذلكم الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح ، { بغيرالحق } : وهو الشرك عبادة الأوثان . و قال ابن عطية : ذلك العذاب الذي أنتم فيه مما كنتم تفرحون في الأرض بالمعاصي والكفر . انتهى . و { كُنتُمْ تَمْرَحُونَ } ، قال ابن عباس : الفخر والخيلاء ؛ وقال مجاهد : الاشر والبطر . انتهى ، فقال لهم ذلك توبيخاً أي إيماناً لكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعاصي وكثرة المال والاتباع والصحة . وقال الضحاك : الفرح والسرور ، والمرح : العدوان ، وفي الحديث : { إن اللّه يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين} . وتفرحون وتمرحون من باب تجنيس التحريف المذكور في علم البديع ، وهو أن يكون الحرف فرقاً بين الكلمتين . |
﴿ ٧٥ ﴾