٨٠أمر تعالى نبيه بالصبر تأنيساً له ، وإلافهو ، عليه السلام ، في غاية الصبر ، وأخبر بأن ما وعده من النصر والظفر وإعلاء كلمته وإظهار دينه حق . قيل : وجواب { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } محذوف لدلالة المعنى عليه ، أي فيقر عينك ، ولا يصح أن يكون { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } جواباً للمعطوف عليه والمعطوف ، لأن تركيب { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } بعض الموعود في حياتك ، { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } ليس بظاهر ، وهو يصح أن يكون جواب ، {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } : أي { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } ، فننتقم منهم ونعذبهم لكونهم لم يتبعوك . ونظير هذه الآية قوله :{ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ } ، إلا أنه هنا صرح بجواب الشرطين . وقال الزمخشري :{ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } متعلق بقوله :{ نَتَوَفَّيَنَّكَ } ، وجزاء { نُرِيَنَّكَ } محذوف تقديره : فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب ، وهو القتل يوم بدر فذاك ، أو أن نتوفينك قبل يوم بدر ، فإلينا يرجعون يوم القيامة ، فننتقم منهم أشد الانتقام . وقد تقدم للزمخشري نحو هذا البحث في سورة يونس في قوله :{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } ، ورددنا عليه ، فيطالع هناك . وقال الزمخشري أيضاً :{ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } أصله فإن نرك ، وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، ولذلك ألحقت النون بالفعل . ألا تراك لا تقول : إن تكرمني أكرمك ، ولكن أما تكرمني أكرمك ؟ انتهى . وما ذهب إليه من تلازم ما لمزيده ، ونون التوكيد بعد أن الشرطية هو مذهب المبرد والزجاج . وذهب سيبويه إلى أنك إن شئت أتيت بما دون النون ، وإن شئت أتيت بالنون دون ما . قال سيبويه في هذه المسألة : وإن شئت لم تقحم النون ؛ كما أنك إذا جئت لم تجىء بما ، يعني لم تقحم النون مع مجيئك بما ، ولم تجىء بما مع مجيئك بالنون . وقرأ الجمهور : يرجعون بياء الغيبة مبنياً للمفعول ؛ وأبو عبد الرحمن ، ويعقوب : بفتح الياء ؛ وطلحة بن مطرف ، ويعقوب في رواية الوليد بن حسان : بفتح تاء الخطاب . ثم رد تعالى على العرب في إنكارهم بعثة الرسل ، وفي عدد الرسل اختلاف . روي أنه ثمانية آلاف من بني إسرائيل ، وأربعة آلاف من غيرهم . وروي : بعث اللّه أربعة آلاف نبي ، { مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ } : أي من أخبرناك به ، أما في القرآن فثمانية عشر .{ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } ، وعن علي ، وابن عباس : أن اللّه بعث نبياً أسود في الحبش ، فهو ممن لم يقصص عليه .{ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّه } : أي ليس ذلك راجعاً إليهم ، لما اقترحوا على الرسل قال : ليس ذلك إلى لا تأتي آية إلا إن شاء اللّه، { فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللّه } : رد ووعيد بإثر اقتراحهم الآيات ، وأمر اللّه : لقيامة . والمبطلون : المعاندون مقترحون الآيات ، وقد أتتهم الآيات ، فأنكروها وسموها سحراً ، أو { فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللّه } : أي أراد إرسال رسول وبعثة نبي ، قضي ذلك وأنفذه { بِالْحَقّ } ، وخسر كل مبطل ، وحصل على فساد آخرته ، أو { فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللّه } : وهو القتل ببدر . ثم ذكر تعالى آيات اعتبار وتعداد نِعم فقال :{ اللّه الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاْنْعَامَ } ، وهي ثمانية الأزواج ، ويضعف قول من أدرج فيها الخيل والبغال والحمير وغير ذلك مما ينتفع به من البهائم ، وقول من خصها بالإبل وهو الزجاج .{ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا } : وهي الإبل ، إذ لم يعهد ركوب غيرها .{ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } : عام في ثمانية الأزواج ، ومن الأولى للتبعيض . و قال ابن عطية : ومن الثانية لبيان الجنس ، لأن الجمل منها يؤكل . انتهى ، ولا يظهر كونها لبيان الجنس ، ويجوز أن تكون فيه للتبعيض ولابتداء الغاية . ولما كان الركوب منها هو أعظم منفعة ، إذ فيه منفعة الأكل والركوب . وذكر إيضاً أن في الجميع منافع من شرب لبن واتخاذ دثار وغير ذلك ، أكد منفعة الركوب بقوله :{ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ } من بلوغ الأسفار الطويلة ، وحمل الأثقال إلى البلاد الشاسعة ، وقضاء فريضة الحج ، والغزو ، وما أشبه ذلك من المنافع الدينية والدنيوية . ولما كان الركوب وبلوغ الحاجة المترتبة عليه قد يتوصل به إلى الانتقال لأمر واجب ، أو مندوب كالحج وطلب العلم ، دخل حرف التعليل على الركوب وعلى المترتب عليه من بلوغ الحاجات ، فجعل ذلك علة لجعل الأنعام لنا . ولما كان الأكل وإصابة المنافع من جنس المباحات ، لم يجعل ذلك علة في الجعل ، بل ذكر أن منها نأكل ، ولنا فيها منافع من شرب لبن واتخاذ دثار وغير ذلك ، كما أدخل لام التعليل في لتركبوها ، ولم يدخلها على الزينة في قوله :{ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} ولما ذكر تعالى ما امتن به من منة الركوب للإبل في البر ، ذكر ما امتن به من نعمة الركوب في البحر فقال :{ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} ولما كان الفلك يصح أن يقال فيه : حمل في الفلك ، كقوله :{ احْمِلْ فِيهَا } ، ويصح أن يقال فيه حمل على الفلك ، اعتبر لفظ على لمناسبة قوله :{ وَعَلَيْهَا } ، وإن كان معنى في صحيحاً{ وَيُرِيكُمْ ءايَاتِهِ } : أي حججه وأدلته على وحدانيته .{ وَيُرِيكُمْ ءايَاتِهِ فَأَىَّ ءايَاتِ } : أي إنها كثيرة ، فأيها ينكر ؟ أي لا يمكن إنكار شيء منها في العقول ، { وَيُرِيكُمْ ءايَاتِهِ فَأَىَّ } منصوب بتنكرون . |
﴿ ٨٠ ﴾