٨٥

قال الزمخشري :{ وَيُرِيكُمْ ءايَاتِهِ } جاءت على اللغة المستفيضة ، وقولك : فأية آيات اللّه قليل ، لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو : حمار وحمارة غريب ، وهي في أي أغرب لإبهامه . انتهى ، ومن قلة تأنيث : أي قوله : بأي كتاب أم بأية سنة

ترى حبهم عاراً عليّ وتحسب

وقوله : وهي في أي أغرب ، إن عنى أياً على الإطلاق فليس بصحيح ، لأن المستفيض في النداء أن يؤنث نداء المؤنث لقوله تعالى :{ أَحَدٌ يأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } ، ولا يعلم من يذكرها فيه فيقول : يا أيها المرأة ، إلا صاحب كتاب البديع في النحو . وإن عنى غير المناداة ، فكلامه صحيح ، فقل تأنيثها في الاستفهام وموصولة ، وما في قوله :{ فَمَا أَغْنَى } نافية شرطية واستفهامية في معنى النفي ، وما فيما كانوا مصدرية ، أو بمعنى الذي ، وهي في موضع رفع ، والضمير في { جَاءتْهُمْ } عائد على { الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} وجاء قوله :{ مّن الْعِلْمِ } على جهة التهكم بهم ، أي في الحقيقة لا علم لهم ، وإنما لهم خيالات واستبعادات لما جاءت به الرسل ، وكانوا يدفعون ما جاءت به الرسل بنحو قولهم :{ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبّى لاجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً } ،أو اعتقدوا أن عندهم علماً يستغنون به عن علم الأنبياء ، كما تزعم الفلاسفة . والدهريون كانوا إذا سمعوا بوحي اللّه ، دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم . ولما سمع سقراط ، لعنه اللّه ، بموسى ، صلوات اللّه على نبينا وعليه ، قيل له : لو هاجرت إليه ، فقال : نحن قوم مهذبون ، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا . وعلى هذين القولين تكون الضمائر متناسقة عائدة على مدلول واحد .

وقيل : الضمير في { فَرِحُواْ } ، وفي { بِمَا عِندَهُمْ } عائد على الرسل ، أي فرحت الرسل بما أوتوا من العلم ، وشكروا اللّه عليه ، لما رأوا جهل من أرسلوا إليهم واستهزاءهم بالحق ، وعلموا سوء عاقبتهم .

وقيل : الضمير في { فَرِحُواْ } عائد على الأمم ، وفي { بِمَا عِندَهُمْ } عائد على الرسل ، أي فرح الكفار بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء . وقال

الزمخشري : ومنها ، أي من الوجوه التي في الآية في قوله : { فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ الْعِلْمِ } ، مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والسرور في تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلم . انتهى . ولا يعبر بالجملة الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية إلا في قليل من الكلام ، نحو قولهم : شر أهر ذا ناب ، على خلاف فيه ، ولما آل أمره إلى الإيتاء المحصور جاز .

وأما في الآية فينبغي أن لا يحمل على القليل ، لأن في ذلك تخليطاً لمعاني الجمل المتباينة ، فلا يوثق بشيء منها .

وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد { فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ الْعِلْمِ } : علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها ، كما

قال تعالى :{ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاْخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } ذلك مبلغهم من العلم ، فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات ، وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات ، لم يلتفتوا إليها ، وصغروها واستهزؤوا بها ، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ، ففرحوا به . انتهى ، وهو توجيه حسن ، لكن فيه إكثار وشقشقة .{ بَأْسَنَا } : أي عذابنا الشديد ، حكى حال من آمن بعد تلبيس العذاب به ، وأن ذلك لم يك نافعاً ، وفي ذلك حض على المبادرة إلى الإيمان ، وتخويف من التأني . فأما قوم يونس ، فإنهم رأوا العذاب لم يلتبس بهم ، وتقدمت قصتهم . وإيمانهم مرفوع بيك اسماً لها ، أو فاعل ينفعهم . وفي يك ضمير الشأن على الخلاف الذي في : كان يقوم زيد ، ودخل حرف النفي على الكون ، لا على النفي ، لأنه يؤدي إلى نفي الصحة ، إي لم يصح ولم يستقم لقوله :{ مَا كَانَ للّه أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} وترادف هذه الفاءات ، أما في { فَمَا أَغْنَى } ، فلأنه كان نتيجة قوله :{ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } ، جار مجرى البيان والتفسير لقوله :{ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ} و { فَمَا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تابع لقوله :{ فَمَا جَاءتْهُمْ } ، كأنه قال : فكفروا به فلما رأوا بأسنا آمنوا ولم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس اللّه ، وانتصب سنة على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ، أي أن ما فعل بهم هي سنة اللّه التي قد مضت وسبقت في عباده من إرسال الرسل والإعزاز بهم ، وتعذيب من كذبهم واستهانتهم واستئصالهم بالهلاك ، وعدم الانتفاع بالإيمان حالة تلبس العذاب بهم . وهنالك ظرف مكان استعير للزمان ، أي وخسر في ذلك الوقت الكافرون .

وقيل : سنة منصوب على التحذير ، أي احذروا سنة اللّه يا أهل مكة في إعداد الرسل .

﴿ ٨٥