٢٠

{وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى اللّه} : أي يخاصمون في دينه ، قال ابن عباس ومجاهد : نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومحاجتهم ، بل قالوا : كتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ؛ فديننا أفضل ، فنزلت الآية في ذلك .

وقيل : نزلت في قريش ، كانوا يجادلون في هذا المعنى ، ويطمعون في رد المؤمنين إلى الجاهلية . واستجيب مبني للمفعول ، فقيل : المعنى من بعدما استجاب الناس للّه ، أي لدينه ودخلوا فيه .

وقيل : من بعدما استجاب اللّه له ، أي لرسوله ودينه ، بان نصره يوم بدر وظهر دينه .{ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } أي باطلة لا ثبوت لها . ولما ذكر من يحاج في دين الإسلام ، صرح بأنه تعالى هو الذي أنزل الكتاب ، والكتاب جنس يراد به الكتب الآلهية .{ وَالْمِيزَانَ } ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم : هو المعدل ؛ وعن ابن مجاهد : هو هنا الميزان الذي بإيدي الناس ، وهذا مندرج في العدل .

{وَمَا يُدْرِيكَ } أيها المخاطب ، { لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } ، ذكر على معنى البعث أو على حذف مضاف : أي لعل مجيء الساعة ؛ ولعل الساعة في موضع معمول ، وما يدريك ، وتقدم الكلام على مثل هذا في قوله في آخر الأنبياء :{ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ}

وتوافقت هذه الجملة مع قوله :{ اللّه الَّذِى أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَالْمِيزَانَ} الساعة : يوم الحساب ، ووضع الموازين : القسط ، فكأنه قيل : أمركم اللّه بالعدل والتسوية قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه ويزن أعمالكم .{ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } بها بطلب وقوعها عاجلة ، لأنهم ليسوا موقنين بوقوعها ، ليبين عجز من يؤمن بها عندهم ، أي هي مما لا يقع عندهم .{ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ } ويلحون في أمر الساعة ، { لَفِى ضَلَالَ بَعِيدٍ } عن الحق ، لأن البعث غير مستعبد من قدرة اللّه ، ودل عليه الكتاب المعجز ، فوجب الإيمان به .{ اللّه لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } : أي بر بعباده المؤمنين ، ومن سبق له الخلود في الدنيا ، وما يرى من النعم على الكافر فليس بلطف ، إنما هو إملاء ، ولا لطف إلا ما آل إلى الرحمة والوفاة على الإسلام . وقال مقاتل : لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً .

وقال الزمخشري : يوصل بره إلى جميعهم ، { يَرْزُقُ مَن يَشَاء } : أي من يشاء يرزقه شيئاً خاصاً ، ويحرم من يشاء من ذلك الشيء الخاص ، وكل منهم مرزوق ، وإن اختلف الرزق ، { وَهُوَ الْقَوِىُّ } : أي البالغ القوة ، وهي القدرة { الْعَزِيزُ } : الغالب الذي لا يغلب .

ولما ذكر تعالى الرزق ، ذكر حديث الكسب . ولما كان الحرث في الأرض أصلاً من أصول المكاسب ، استعير لكل مكسب أريد به النماء والفائدة ، أي من كان يريد عمل الآخرة ، وسعى لها سعيها ، { نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } : أي جزاء حرثه أي من جزاء حرثه من تضعيف الحسنات ، { وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } : أي العمل لها لا لآخرته ، { نُؤْتِهِ مِنْهَا } : أي نعطه شيئاً منها ، { لَهُ فِى الاْخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } ، لأنه لم يعمل شيئاً للآخرة . والجملة الأولى وعد منجز ، والثانية مقيدة بمشيئته تعالى ، فلا يناله إلا رزقه الذي فرغ منه ، وكل ما يريده هو . واقتصر في عامل الآخرة على ذكر حظه في الآخرة ، كأنه غير معتبر ، فلا يناسب ذكر مع ما أعد اللّه له في الآخرة لمن يشاء ما يشاء . وجعل فعل الشرط ماضياً ، والجواب مجزوم لقوله تعالى :{ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } ، ولا نعلم خلافاً في جواز الجزم ، فإنه فصيح مختار ، إلا ما ذكره صاحب كتاب الإعراب ، وهو أبو الحكم بن عذرة ، عن بعض النحويين ، أنه لا يجيء في الكلام الفصيح ، وإنما يجيء مع كأن لأنها أصل الأفعال ، ولا يجيء مع غيرها من الأفعال . ونص كلام سيبويه والجماعة أنه لا يختص ذلك بكان ، بل سائر الأفعال في ذلك مثلها ، وأنشد سيبويه للفرزدق : دست رسولاً بأن القوم إن قدروا

عليك يشفوا صدوراً ذات توغير

وقال آخر :

تعال فإن عاهدتني لا تخونني

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وقرأ الجمهور : نزد ونؤته بالنون فيهما : وابن مقسم ، والزعفراني ، ومحبوب ، والمنقري ، كلاهما عن أبي عمرو : بالياء فيهما .

وقرأ سلام : نؤته منها برفع الهاء ، وهي لغة الحجاز .

﴿ ٢٠