٢٣{تَرَى الظَّالِمِينَ } : أي تبصر الكافرين لمقابلته بالمؤمنين ، { مُشْفِقِينَ } : خائفين الخوف الشديد ، { مِمَّا كَسَبُواْ } من السيآت ، { وَهُوَ } : أي العذاب ، أو يعود على ما كسبوا على حذف مضاف : أي وبال كسبوا من السيآت ، أو جزاؤه حال بهم ، { وَهُوَ وَاقِعٌ } : فإشفاقهم هو في هذه الحال ، فليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة . ولما كانت الروضات أحسن ما في الجنات وأنزهها وفي أعلاها ، ذكر أن المؤمنين فيها . واللغة الكثيرة تسكين الواو في روضات ، ولغة هذيل بن مدركة فتح الواو إجراء للمعتل مجرى الصحيح نحو جفنات ، ولم يقرأ أحد ممن علمناه بلغتهم . وعند ظرف ، قال الحوفي : معمول ليشاءون . وقال الزمخشري : منصوب بالظرف لا يشاءون . انتهى ، وهو الصواب . ويعني بالظرف : الجار والمجرور ، وهو لهم في الحقيقة غير معمول للعامل في لهم ، والمعنى : ما يشاءون من النعيم والثواب ، مستقر لهم .{ عِندَ رَبّهِمْ } : والعندية عندية المكانة والتشريف ، لا عندية المكانة . وقرأ الجمهور :{ يُبَشّرُ } بتشديد الشين ، من بشر ؛ وعبد اللّه بن يعمر ، وابن أبي إسحاق ، والجحدري ، والأعمش ، وطلحة في رواية ، والكسائي ، وحمزة : يبشر ثلاثياً ؛ ومجاهد ، وحميد بن قيس : بضم الياء وتخفيف الشين من أبشر ، وهو معدى بالهمزة من بشر اللازم المكسور الشين . وأما بشر بفتحها فتعد ، وبشر يالتشديد للتكثير لا للتعدية ، لأن المتعدي إلى واحد ، وهو مخفف ، لا يعدى بالتضعيف إليه ؛ فالتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية .{ ذالِكَ } : إشارة إلى ما أعد لهم من الكرامة ، وهو مبتدأ خبره الموصول والعائد عليه محذوف ، أي يبشر اللّه به عباده . وقال الزمخشري : أو ذلك التبشير الذي يبشره اللّه عباده . انتهى . ولا يظهر الوجه ، إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشري ، ولا ما يدل عليها من تبشير أو شبهه . ومن النحويين من جعل الذي مصدرية ، حكاه ابن مالك عن يونس ، وتأويل عليه هذه الآية ، أي ذلك تبشير اللّه عباده ، وليس بشيء ، لأنه إثبات للاشتراك بين مختلفي الحد بغير دليل . وقد ثبتت اسمية الذي ، فلا يعدل عن ذلك بشيء لا تقوم به دليل ولا شبهة . {قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} روي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم ، فقال بعضهم لبعض : أترون محمداً يسأل أجراً على ما يتعاطاه ؟ فنزلت . وروي أن الأنصار أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمال جمعوه وقالوا : يا رسول اللّه ، هدانا اللّه بك ، وأنت ابن أختنا ، وتعروك حقوق وما لك سعة ، فاستعن بهذا على ما ينو بك ، فنزلت الآية ، فردّه . وقيل : الخطاب متوجه إلى قريش حين جمعوا له مالاً وأرادوا أن يرشوه عليهم على أن يمسك عن سب آلهتهم ، فلم يفعل ، ونزلت . فالمعنى :{ لا أسألكم مالاً ولا رياسة ، ولكن أسألكم أن ترعوا حق قرابتي وتصدقوني فيما جئتكم به ، وتمسكوا عن أذيتي وأذية من تبعني } ، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي وغيرهم . قال الشعبي : أكثر الناس علينا في هذه الآية ، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها ، فكتب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش ، ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده ، فقال اللّه تعالى : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودّوني في قرابتي منكم ، فارعوا ما بيني وبينكم وصدقوني . وقال عكرمة : وكانت قريش تصل أرحامها . وقال الحسن : المعنى إلا أن تتودّدوا إلى اللّه بالتقرّب إليه . وقال عبد اللّه بن القاسم : إلا أن يتودّد بعضكم إلى بعض وتصلوا قراباتكم . روي أن شباباً من الأنصار فاخروا المهاجرين وصالوا بالقول ، فنزلت على معنى : أن لا تؤذوني في قرابتي وتحفظوني فيهم . وقال بهذا المعنى عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيراً ، وهو قول ابن جبير والسدي وعمرو بن شعيب ، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس : قيل يا رسول اللّه : من قرابتك الذين أمرنا بمودّتهم ؟ فقال : { عليّ وفاطمة وابناهما} . وقيل : هم ولد عبد المطلب . والظاهر أن قوله :{ إِلاَّ الْمَوَدَّةَ } استثناء منقطع ، لأن المودّة ليست أجراً . وقال الزمخشري : يجوز أن يكون استثناء متصلاً ، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا أن تودّوا أهل قرابتي ، ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة ، لأن قرابته قرابتهم ، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة . وقال : فإن قلت : هلا قيل إلا مودّة القربى ، أو إلا المودّة للقربى ؟ قلت : جعلوا مكاناً للمودة ومقرّاً لها ، كقولك : لي في آل فلان مودّة ، ولي فيهم هوى وحب شديد ، تريد : أحبهم وهم مكان حبي ومحله . وليست في صلة للمودّة كاللام ، إذا قلت إلا المودّة للقربى ، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك : المال في الكيس ، وتقديره : إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها . انتهى ، وهو حسن وفيه تكثير . وقرأ زيد بن عليّ ؛ إلا مودّة ؛ والجمهور : إلا المودّة . {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } : أي يكتسب ، والظاهر عموم الحسنة عموم البدل ، فيندرج فيها المودّة في القربى وغيرها . وعن ابن عباس والسدي ، أنها المودّة في آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وقرأ الجمهور :{ نَزِدْ } بالنون ؛ وزيد بن عليّ ، وعبد الوارث عن أبي عمرو ، وأحمد بن جبير عن الكسائي : يزد بالياء ، أي يزد اللّه . والجمهور :{ حَسَنًا } بالتنوين ؛ وعبد الوارث عن أبي عمرو : حسنى بغير تنوين ، على وزن رجعي ، وزيادة حسنها : مضاعفة أجرها .{ أَنَّ اللّه غَفُورٌ } : ساتر عيوب عباده ، { شَكُورٍ } : مجاز على الدقيقة ، لا يضيع عنده عمل العامل . وقال السدي : غفور لذنوب آل محمد عليه السلام ، شكور لحسناتهم . |
﴿ ٢٣ ﴾