٢٥

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللّه كَذِباً } : أضرب عن الكلام المتقدم من غير إبطال ، واستفهم استفهام إنكار وتوبيخ على هذه المقالة ، أي مثله لا ينسب إليه الكذب على اللّه ، مع اعترافكم له قبل بالصدق والأمانة .{ فَإِن يَشَإِ اللّه يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } ، قال مجاهد : يربط على قلبك بالصبر على أذاهم ، حتى لا يشق عليك قولهم : إنك مفتر . وقال قتادة وجماعة :{ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } : ينسيك القرآن ، والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها ، وذلك كأنه يقول : وكيف يصح أن تكون مغتريات وأنت من اللّه بمرأى ومسمع وهو قادر : ولو شاء أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك ؟ فمقصد اللفظ هذا المعنى ، وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصار واقتصار . انتهى . هكذا أو رد هذا التأويل عن قتادة ابن عطية ، وفي ألفاظه فظاظة لا تليق أن تنسب للأنبياء .

وقال الزمخشري : عن قتادة : ينسيك القرآن وينقطع عنك الوحي ، يعني لو افترى على اللّه الكذب لفعل به ذلك . انتهى .

وقال الزمخشري أيضاً : فإن يشأ اللّه يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليه الكذب ، فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على اللّه إلا من كان في مثل حالهم ، وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله ، وأنه في البعد مثل الشرك باللّه والدخول في جملة المختوم على قلوبهم . ومثال هذا أن يخون بعض الأمناء فيقول : لعل اللّه خذلني ، لعل اللّه أعمي قلبي ، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمي القلب ، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله ، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم .

ثم قال : ومن عادة اللّه أن يمحو الباطل ويثبت الحق بوحيه أو بقضائه لقوله :{ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ } ، يعني : لو كان مفترياً ، كما يزعمون ، لكشف اللّه افتراءه ومحقه ، وقذف بالحق على الباطل فدمغه . انتهى .

وقيل : المعنى لو افتريت على اللّه ، لطبع على قلبك حتى لا تقدر على حفظ القرآن

وقيل : لختم على قلبك بالصدق واليقين ، وقد فعل ذلك . وذكر القشيري أن المعنى : يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم ويعاجلهم بالعذاب . انتهى ، فيكون التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب ، ومن الجمع إلى الإفراد ، أي يختم على قلبك أيها القائل أنه افترى على اللّه كذباً . { وَيَمْحُ اللّه الْبَاطِلَ } : استئناف إخبار ، أي يمحوه . إما في الدنيا

وإما في الآخرة حيث نازله . وكتب ويمح بغير واو ، كما كتبوا سندع بغير واو ، اعتباراً بعدم ظهورها ، لأنه لا يوقف عليها وقف اختيار . ولما سقطت من اللفظ سقطت من الخط .

وقال الزمخشري : ويجوز أن تكون عدة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ، ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مرد له من نصرتك عليهم . إن اللّه عليم بما في صدرك وصدورهم ، فيجري الأمر على حسب ذلك . انتهى . قيل : ويحق الإسلام بكلماته ، أي بما أنزل من القرآن .

وتقدم الكلام في شرائط التوبة ، يقال : قبلت منه الشيء بمعنى : أخذته منه ، لقوله :{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ } ،أي تؤخذ ، أي جعلته مبدأ قبولي ومنشأه ، وقبلته عنه : عزلته عنه وأبنته ، فمعنى { عَنْ عِبَادِهِ } : أي يزيل الرجوع عن المعاصي .{ وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيّئَاتِ } ،

قال الزمخشري : عن السيئآت إذا تيب عنها ، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر . انتهى ، وهو على طريقة الأعتزال . إن الكبائر لا يعفى عنها إلا بالتوبة ، { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } ، فيثيت ويعاقب .

وقرأ الجمهور : ما يفعلون بياء الغيبة ؛ وعبد اللّه ، وعلقمة ، والإخوان ، وحفص : بتاء الخطاب . والظاهر أن الذين فاعل ، { وَيَسْتَجِيبُ } : أي ويجيب ، { الَّذِينَ كَفَرُواْ } لربهم ، كما قال :{ مُّعْرِضُونَ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للّه وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } ، فيكون يستجيب بمعنى يجيب ، أو يبقى على بابه من الطلب ، أي يستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة . وقال سعيد بن جبير : هذا في فعلهم إذا دعاهم . وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل : ما بالنا ندعو فلا نجاب ؟ قال : لأنه دعاكم فلم تجيبوه ، ثم قرأ :{ وَاللّه يَدْعُواْ إِلَى دَارُ السَّلَامِ}

﴿ ٢٥