٣٦

{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءامَنُواْ } ، قال الزجاج : الذين مفعول ، واستجاب وأجاب بمعنى واحد ،

فالمعنى : ويجيب اللّه الذين آمنوا ، أي للذين ، كما قال :

فلم يستجبه عند ذاك مجيب

أي : لم يجبه . وروي هذا المعنى عن معاذ ابن جبل وابن عباس .{ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } : أي على الثواب تفضلاً . وفي الحديث : { قبول الشفاعات في المؤمنين والرضوان} . وقال خباب بن الارت : نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها ، فنزلت :{ وَلَوْ بَسَطَ اللّه الرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الاْرْضِ} وقال عمرو بن حريث : طلب قوم من أهل الصفة من الرسول عليه السلام أن يغنيهم اللّه ويبسط لهم الأموال والأرزاق ، فنزلت . أعلم أن الرزق لو جاء على اقتراح البشر ، لكان سبب بغيهم وإفسادهم ، ولكنه تعالى أعلم بالمصلحة . فرب إنسان لا يصلح ولا يكتفي شره إلا بالفقر ، وآخر بالغنى . وفي هذا المعنى والتقسيم حديث رواه أنس وقال : { اللّهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى ، فلا تفقرني} . ولبغوا ، إما من البذخ والكبر ، أي لتكبروا في الأرض ، ففعلوا ما يتبع الكبر مع الغنى . ألا ترى إلى حال قارون ؟ وفي الحديث : { أخوف ما يخاف على أمتي زهرة الدنيا } ، وقال الشاعر : وقد جعلوا الوسمي ينبت بيننا

وبين بني رومان نبعاً وشوحطا

يعني : أنهم أحبوا ، فجذبوا أنفسهم بالبغي والفتن . { وَلَاكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء } ، يقال : قدر بالسكون وبالفتح ، أي : يقدر لهم ما هو أصلح لهم .

وقرأ الجمهور :{ قَنَطُواْ } ، بفتح النون ؛ والأعمش ، وابن وثاب : بكسرها ، { وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } : يظهرها من آثار

الغيث من المنافع والخصب ، والظاهر أن رحمته نشرها أعم مما في الغيث . وقال السدي : رحمته : الغيث ، وعدد النعمة بعينها بلفظين .

وقيل : الرحمة هنا ظهور الشمس ، لأن إذا دام المطر سئم ، فتجيء الشمس بعده عظمية الموقع ، ذكره المهدوي . { وَهُوَ الْوَلِىُّ } : الذي يتولى عباده ، { الْحَمِيدِ } : المحمود على ما أسدى من نعمائه وما بث . الظاهر أنه مجرور عطفاً على السموات والأرض . ويجوز أن يكون مرفوعاً ، عطفاً على خلق ، على حذف مضاف ، أي وخلق ما بث . وفيهما يجوز أن يكون مما نسب فيه دابة إلى المجموع المذكور ، وإن كان ملتبساً ببعضه . كما يقال : بنو فلان صنعوا كذا ، وإنما صنعه واحد منهم ، ومنه يخرج منهما ، وإنما يخرج من الملح ، أو يكون من الملائكة . بعض يشمي مع الطيران ، فيوصف بالدبيب كما يوصف به الأناسي ، أو يكون قد خلق السموات حيوانا يمشي مع مشي الإناس على الأرض ، أو يريد الحيوان الذي يكون في السحاب . وقد يقع أحياناً ، كالضفادع والسحاب داخل في اسم السماء .

وقال مجاهد :{ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ } : هم الناس والملائكة . وقال أبو علي : هو على حذف مضاف ، أي وما بث في أحدهما .

وقرأ الجمهور : فيهما بالفاء ، وكذا هي في معظم المصاحف . واحتمل ما أن تكون شرطية ، وهو الأظهر ، وأن تكون موصولة ، والفاء تدخل في خبر الموصول إذا أجري مجرى الشرط بشرائط ذكرت في النحو ، وهي موجودة .

وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر في رواية ، وشيبة : بما بغير فاء ، فما موصولة ، ولا يجوز أن تكون شرطية ؛ وحذفت الفاء لأن ذلك مما يخصه سيبويه بالشعر ، وأجازت ذلك الأخفش وبعض نحاة بغداد وذلك على إرادة الفاء . وترتب ما أصاب من المصائب على كسب الأيدي موجود مع الفاء ودونها هنا ، والمصيبة : الرزايا والمصائب في الدنيا ، وهي مجازاة على ذنوب المرء وتمحيص لخطاياه ، وأنه تعالى يعفو عن كثير ، ولا يجازي عليه بمصيبة . وفي الحديث : { لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر} . وسئل عمران بن حصين عن مرضه فقال ؛ إن أحبه إليّ أحبه إلى اللّه ، وهذا مما كسبت يداي . ورؤي على كف شريح قرحة ، فقيل : بم هذا ؟ فقال : بما كسبت يداي .

وقال الزمخشري : الآية مخصوصة بالمجرمين ، ولا يمتنع أن يستوفي اللّه عقاب المجرم ويعفو عن بعض . فأما من لا جرم له ، كالأنبياء والأطفال والمجانين ، فهو كما إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره ، فللعوض الموفي والمصلحة وعن علي : هذه أرجى آية للمؤمنين . وقال الحسن :{ مِن مُّصِيبَةٍ } : أي حد من حدود اللّه ، وتلك مصائب تنزل بشخص الإنسان ونفسه ، فإنما هي بكسب أيدى كم .{ ويعفو } اللّه { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } ، فيستره على العباد حتى لا يحد عليه .{ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } : أنتم في قبضة القدرة .

وقيل : ليست المصائب من الأسقام والقحط والغرق وغير ذلك بعقوبات على الذنوب لقوله :{ الْيَوْمَ تَجْزِى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } ، ولاشتراك الصالح والطالح فيهما ، بل أكثر ما يبتلي به الصالحون المتقون . وفي الحديث : { خص بالبلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل} . ولأن الدنيا دار التكليف ، فلو حصل الجزاء فيها لكانت دار الجزاء ، وليس الأمر كذلك . وهذا القول يؤخره نصوص القرآن ، كقوله تعالى :{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } الآية .

لما ذكر تعالى من دلائل وحدانيته أنواعاً ، ذكر بعدها العالم الأكبر ، وهو السموات والأرض ؛ ثم العالم الأصغر ، وهو الحيوان . ثم اتبعه بذكر المعاد ، أتبعه بذكر السفن الجارية في البحر ، لما فيها من عظيم دلائل القدرة ، من جهة أن الماء جسم لطيف شفاف يغوص فيه الثقيل ، والسفن تشخص بالأجسام الثقيلة الكثيفة ، ومع ذلك جعل تعالى للماء قوة يحملها بها ويمنع من الغوص . ثم جعل الرياح سبباً لسيرها . فإذا أراد أن ترسو ، أسكن الريح ، فلا تبرح عن مكانها . والجواري : جمع جارية ، وأصله السفن الجواري ، حذف الموصوف وقامت صفته مقامه ، وحسن ذلك قوله :{ فِى الْبَحْرِ } ، فدل ذلك على أنها صفة للسفن ، وإلا فهي صفة غير مختصة ، فكان القياس أن لا يحذف الموصوف ويقوم مقامه . ويمكن أن يقال : إنها صفة غالبة ، كالأبطح ، فجاز أن تلي العوامل بغير ذكر الموصوف . وقرىء : الجواري بالياء ودونها ، وسمع من العرب الأعراب في الراء ، وفي البحر متعلق بالجواري ، وكالأعلام في موضع الحال ، والأعلام : الجبال ، ومنه قول الخنساء أخت صخر ومعاوية : وإن صخراً التأتم الهداة به

كأنه علم في رأسه نار

ومنه :

إذا قطعن علماً بدا علم

وقرأ جمهور السبعة :{ الرّيحَ } إفراداً ، ونافع : جمعاً ،

وقرأ الجمهور :{ فَيَظْلَلْنَ } بفتح اللام ،

وقرأ قتادة : بكسرها ، والقياس الفتح ، لأن الماضي بكسر العين ، فالكسر في المضارع شاذ .

وقال الزمخشري : من ظل يظل ويظل ، نحو ضل يضل ويضل . انتهى . وليس كما ذكر ، لأن يضل بفتح العين من ضللت بكسرها في الماضي ، ويضل بكسرها من ضللت بفتحها في الماضي ، وكلاهما مقيس .{ لّكُلّ صَبَّارٍ } على بلائه ، { شَكُورٍ } لنعمائه .{أَوْ يُوبِقْهُنَّ } : يهلكهن ، أي الجواري ، وهو عطف على يسكن ، والضمير في { كَسَبُواْ } عائد على ركاب السفن ، أي بذنوبهم .

وقرأ الأعمش : ويعفو بالواو ، وعن أهل المدينة : بنصب الواو ، والجمهور : ويعف مجزوماً عطفاً على يوبقهن . فأما قراءة الأعمش ، فإنه أخبر تعالى أنه يعفو عن كثير ، أي لا يؤاخذ بجميع ما اكتسب الإنسان .

وأما النصب ، فبإضمار أن بعد الواو ، وكالنصب بعد الفاء في قراءة من قرأ : يحاسبكم به اللّه فيغفر ، وبعد الواو في قول الشاعر :

فإن يهلك أبو قابوس يهلك

ربيع الناس والشهر الحرام

ونأخذ بعده بذناب عيش

أجب الظهر ليس له سنام

روي بنصب ونأخذ ورفعه وجزمه . وفي هذه القراءة يكون العطف على مصدر متوهم ، أي يقع إيباق وعفو عن كثير .

وأما الجزم فإنه داخل في حكم جواب الشرط ، إذ هو معطوف عليه ، وهو راجع في المعنى إلى قراءة النصب ، لكن هذا عطف فعل على فعل ، وفي النصب عطف مصدر مقدر على مصدر متوهم . وقال القشيري : وقرىء : { وَيَعْفُ } بالجزم ، وفيها إشكال ، لأن المعنى : إن يشأ يسكن الريح ، فتبقى تلك السفن رواكد ، أو يهلكها بذنوب أهلها ، فلا يحسن عطف ويعف على هذه ، لأن المعنى : يعيران شيئاً يعف ، وليس المعنى ذلك ، بل المعنى : الإخبار عن الغيوب عن شرط المشيئة ، فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ ، لا من حيث المعنى . وقد قرأ قوم : ويعفو بالرفع ، وهي جيدة في المعنى . انتهى ، وما قاله ليس بجيد ، إذ لم يفهم مدلول التركيب . والمعنى : أنه تعالى إن يشأ أهلك ناساً وأنجى ناساً على طريق العفو عنهم .

وقال الزمخشري :

فإن قلت : على م عطف يوبقهن ؟

قلت : على يسكن ، لأن المعنى : إن يشأ يسكن الريح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها . انتهى . ولا يتعين أن يكون التقدير : أو يعصفها فيغرقن ، لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح ، بل قد يهلكها تعالى بسبب غير الريح ، كنزول سطحها بكثرة الثقل ، أو انكسار اللوح يكون سبباً لإهلاكها ، أو يعرض عدو يهلك أهلها .

وقرأ الأعرج ، وأبو جعفر ، وشيبة ، ونافع ، وابن عامر ، وزيد بن علي :{ وَيَعْلَمَ } بالرفع على القطع .

وقرأ الجمهور : ويعلم بالنصب ؛ قال أبو علي وحسن : النصب إذا كان قبله شرط وجزاء ، وكل واحد منهما غير واجب . وقال الزجاج : على إضمار أن ، لأن قبلها جزاء . تقول : ما تصنع أصنع مثله ، وأكرمك ، وإن أشئت ، وأكرمك علي ، وأنا أكرمك ، وإن شئت ، وأكرمك جزماً .

قال الزمخشري : فيه نظر ، لما أورده سيبويه في كتابه قال : واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله : إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف ، وهو نحو من قوله :

وألحق بالحجاز فاستريحا

فهذا لا يجوز ، وليس بحد الكلام ولا وجهه ، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً ، لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل . فلما ضارع الذي لا يوجبه ، كالاستفهام ونحوه ، أجازوا فيه هذا على ضعفه .

قال الزمخشري : ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه ، ولو كانت من هذا الباب ، لما أخلى سيبويه منها كتابه ، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة . انتهى . وخرج الزمخشري النصب على أنه معطوف على تعليل محذوف ، قال تقديره :{ عَن كَثِيرٍ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ } ، يكره في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ، ومنه قوله تعالى :{ وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } ، وقوله :{ خَلَقَ اللّه السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ بِالْحَقّ } ،{ يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} انتهى . ويبعد تقديره لينتقم منها ، لأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ، فلا يحسن لينتقم منهم .

وأما الآيتان فيمكن أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف ، أي { وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ } ،{ يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} فعلنا ذلك ، وكثيراً ما يقدر هذا الفعل محذوفاً قبل لام العلة ، إذا لم يكن فعل ظاهر يتعلق به .

وذكر الزمخشري أن قوله تعالى :{ وَيَعْلَمَ } قرىء بالجزم ،

فإن قلت : فكيف يصح المعنى على جزم ويعلم ؟

قلت : كأنه قال : أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين ، لأن قوله :{ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِىءايَاتِنَا مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } يتضمن تحذيرهم من عقاب

اللّه،  { وَمَا لَهُم مّنَ مَّحِيصٍ } في موضع نصب ، لأن يعلم معلقة ، كقولك : علمت ما زيد قائم . وقال ابن عطية في قراءة النصب ، وهذه الواو ونحوها التي تسميها الكوفيون واو الصرف ، لأن حقيقة واو الصرف التي يريدونها عطف فعل على اسم مقدر ، فيقدر أن ليكون مع الفعل بتأويل المصدر ، فيحسن عطفه على الاسم . انتهى . وليس قوله تعليلاً لقولهم واو الصرف ، إنما هو تقرير لمذهب البصريين .

وأما الكوفيون فإن واو الصرف ناصبة بنفسها ، لا بإضمار أن بعدها . وقال أبو عبيد على الصرف كالذي في آل عمران :{ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّه الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، ومعنى الصرف أنه كان على جهة ، فصرف إلى غيرها ، فتغير الإعراب لأجل الصرف . والعطف لا يعين الاقتران في الوجود ، كالعطف في الأسم ، نحو : جاء زيد وعمرو . ولو نصب وعمرو اقتضى الاقتران ؛ وكذلك واو الصرف ، ليفيد معنى الاقتران ويعين معنى الاجتماع ، ولذلك أجمع على النصب في قوله :{ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ،أي ويعلم المجاهدين والصابرين معاً .

عن عليّ ، رضي اللّه عنه ، اجتمع لأبي بكر رضي اللّه عنه مال ، فتصدق به كله في سبيل اللّه والخير ، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون ، فنزلت :{ فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء } ، والظاهر أنه خطاب للناس .

وقيل : للمشركين ، وما شرطية مفعول ثان لأوتيتم ، ومن شيء بيان لما ، والمعنى : من شيء من رياش الدنيا ومالها والسعة فيها ، والفاء جواب الشرط ، أي فهو متاع ، أي يستمتع في الحياة .{ وَمَا عِندَ اللّه } : أي من ثوابه وما أعد لأوليائه ، { خَيْرٌ وَأَبْقَى } مما أوتيتم ، لأنه لا انقطاع له . وتقدم الكلام في الكبائر في قوله :{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } ، في النساء .

وقرأ الجمهور :{ كَبَائِرَ } جمعاً هنا ، وفي النجم ، وحمزة ، والكسائي : بالإفراد .

﴿ ٣٦