٣٩

{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ } ،قيل : نزلت في الأنصار ، دعاهم اللّه للإيمان به وطاعته فاستجابوا له . وكانوا قبل الإسلام ، وقبل أن يقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، إذا نابهم أمر تشاوروا ، فأثنى اللّه عليهم ، لا ينفردون بأمر حتى يجتمعوا عليه . وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم . انتهى . وفي الشورى اجتماع الكلمة والتحاب والتعاضد على الخير . وقد شاور الرسول عليه السلام فيما يتعلق بمصالح الحروب والصحابة بعده في ذلك ، كمشاورة عمر للّهرمز . وفي الأحكام ، كقتال أهل الردّة ، وميراث الحربي ، وعدد مدمني الخمر ، وغير ذلك . والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ، على حذف مضاف ، أي وأمرهم ذو شورى بينهم . و { هُمْ يَنتَصِرُونَ } : صلة للذين ، وإذا معمولة لينتصرون ، ولا يجوز أن يكون { هُمْ يَنتَصِرُونَ } جواباً لإذا ، والجملة الشرطية وجوابها صلة لما ذكرناه من لزوم الفاء ، ويجوز هنا أن يكون هم فاعلاً بفعل محذوف على ذلك القول الذي قيل في { هُمْ يَغْفِرُونَ} وقال الحوفي : وإن شئت

جعلت هم توكيداً للّهاء والميم ، يعني في أصابهم ، وهو ضمير رفع ، وفي هذا نظر ، وفيه الفصل بين المؤكد والتوكيد بالفاعل ، وهو فعل الظاهر أنه لا يمتنع ، والانتصار : أن يقتصر على ما حده اللّه له ولا يتعدى . وقال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم ، فتجترىء عليهم الفساق ، ومن انتصر غير متعد فهو مطيع محمود . وقال مقاتل ، وهشام عن عروة : الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص .

وقال ابن عباس : تعدى المشركون على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى أصحابه ، وأخرجوهم من مكة ، فأذن اللّه لهم بالخروج في الأرض ، ونصرهم على من بغى عليهم . وقال الكيا الطبري : ظاهره أن الانتصار في هذا الموضع أفضل ، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة للّه ولرسوله وإقامة الصلاة ؟ فهذا على ما ذكره النخعي ، وهذا فيمن تعدى وأصر ، والمأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادماً مقلعاً . وقد قال عقيب هذه الآية { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } الآية ، فيقتضي إباحة الانتصار . وقد عقبه بقوله :{ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ } ، وهذا محمول على القرآن عند غير المصر . فأما المصر على البغي ، فالأفضل الانتصار منه بدليل الآية قبلها . وقال ابن بحر : المعنى تناصروا عليه فأزالوه عنهم . وقال أبو بكر بن العربي نحواً من قول الكيا . قال الجمهور : إذا بغى مؤمن على مؤمن ، فلا يجوز له أن ينتصر منه بنفسه ، بل يرفع ذلك إلى الإمام أو نائبه . وقالت فرقة : له ذلك .

﴿ ٣٩