٤٣{وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } : هذا بيان للانتصار ، أي لا يتعدى فيما يجازي به من بغى عليه . قال ابن أبي نجييج ، والسدي : إذا شتم ، فله أن يرد مثل ما شتم به دون أن يتعدى ، وسمى القصاص سيئة على سبيل المقابلة ، أو لأنها تسوء من اقتص منه ، كما ساءت الحيض . وظاهر قوله : مثلها المماثلة مطلقاً في كل الأحوال ، لا فيما خصه الدليل . والفقهاء أدخلوا التخصيص في صور كثيرة بناء على القياس . قال مجاهد ، والسدي : إذا قال له أخزاك اللّه فليقل أخزاك اللّه ، وإذا قذفه قذفاً يوجب الحد ، بل الحد الذي أمره اللّه به .{ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ } : أي بينه وبين خصمه بالعفو ، { فَأَجْرُهُ عَلَى اللّه } : عدة مبهمة لا يقاس عظمها ، إذ هي على اللّه .{ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } : أي الخائنين ، وإذا كان لا يحبه وقد ندب إلى العفو عنه ، فالعفو الذي يحبه اللّه أولى أن يعفي عنه ، أو لا يحب الظالمين من تجاوز واعتدى من المجني عليهم ، إذا انتصروا خصوصاً في حالة الحرب والتهاب الحمية ، فربما يظلم وهو لا يشعر . وفي الحديث : { إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على اللّه فليقم ، قال : فيقوم خلق ، فيقال لهم : ما أجركم على اللّه ؟ فيقولون : نحن عفونا عمن ظلمنا ، فيقال لهم : ادخلوا الجنة بإذن اللّه} . واللام في { وَلَمَنِ انتَصَرَ } لام توكيد . قال الحوفي : وفيها معنى القسم . و قال ابن عطية : لام التقاء القسم يعنيان أنها اللام التي يتلقى بها القسم ، فالقسم قبلها محذوف ، ومن شرطية ، وحمل { انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } على لفظ من ، وفأولئك على معنى من ، والفاء جواب الشرط ، وظلمه مصدر مضاف إلى المفعول . قال الزمخشري : ويفسره قراءة من قرأ : بعد ما ظلم ما عليهم من سبيل ، قيل :أي من طريق إلى الحرج ؛ وقيل : من سبيل للمعاقب ، ولا المعاقب والعاتب ، وهذه مبالغة في إباحة الانتصار .{ إِنَّمَا السَّبِيلُ } : أي سبيل الإثم والحرج ، { عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ } : أي يبتذلون بالظلم ، { وَيَبْغُونَ فِى الاْرْضِ } : أي يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون . وقيل : ويظلمون الناس : أي يضعون الأشياء غير مواضعها من القتل وأخذ المال والأذى باليد واللسان . والبغي بغير الحق ، فهو نوع من أنواع الظلم ، خصه بالذكر تنبيهاً على شدته وسوء حال صاحبه . انتهى .{ وَلَمَن صَبَرَ } : أي على الظلم والأذى ، { وَغَفَرَ } ، ولم ينتصر . واللام في ولمن يجوز أن تكون اللام الموطئة القسم المحذوف ، ومن شرطية ، وجواب القسم قوله :{ إِنَّ ذالِكَ } ، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه . ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء ، ومن موصولة مبتدأ ، والجملة المؤكدة بأن في موضع الخبر . وقال الحوفي : من رفع بالابتداء وأضمر الخبر ، وجواب الشرط إن وما تعلقت به على حذف الفاء ، كما قال الشاعر : من يفعل الحسنات اللّه يشكرها أي : فاللّه يشكرها . انتهى ، وهذا ليس بجيد ، لأن حذف الفاء مخصوص بالشعر عند سيبويه . والإشارة بذلك إلى ما يفهم من مصدر صبر وغفر والعائد على الموصول المبتدأ من الخبر محذوف ، أي إن ذلك منه لدلالة المعنى عليه : { لَمِنْ عَزْمِ الاْمُورِ } ، إن كان ذلك إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله :{ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ } ، لم يكن في عزم الأمور حذف ، وإن كان ذلك إشارة إلى المبتدأ ، كان هو الرابط ، ولا يحتاج إلى تقدير منه ، وكان في { عَزْمِ الاْمُورِ } ،أي أنه لمن ذوي عزم الأمور . وسب رجل آخر في مجلس الحسن ، فكان المسبوب يكظم ويعرق ويمسح العرق ، ثم قام فتلا الآية ، فقال الحسن : عقلها واللّه وفهمها ، لم هذه ضيعها الجاهلون . والجملة من قوله :{ إِنَّمَا السَّبِيلُ } اعتراض بين قوله :{ وَلَمَنِ انتَصَرَ } ، وقوله :{ وَمِنْ صَبَرَ} |
﴿ ٤٣ ﴾