٥٣

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا } : أي مثل ذلك الإيحاء الفصل أوحينا إليك ، إذ كان عليه الصلاة والسلام اجتمعت له الطرق الثلاث : النفث في الروع ، والمنام ، وتكليم اللّه له حقيقة ليلة الإسراء ، وإرسال رسول إليه ، وهو جبريل .

وقيل : كما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ، { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} قال ابن عباس : النبوة . وقال السدي : الوحي ؛ وقال قتادة : رحمة ؛ وقال الكلبي : كتاباً ؛ وقال الربيع : جبريل ؛

وقيل : القرآن ؛ وسمى ما أوحى إليه روحاً ، لأن به الحياة من الجهل . وقال مالك بن دينار : يا أهل القرآن ، ماذا زرع القرآن في قلوبكم ؟ فإن القرآن ربيع القلوب ، كما أن العشب ربيع الأرض .{ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ } : توقيف على عظم المنة ، وهو صلى اللّه عليه وسلم أعلم الناس بها ، وعطف ولا الإيمان على ما الكتاب ، وإنما معناه : الإيمان الذي يدركه السمع ، لأن لنا أشياء من الإيمان لا تعلم إلا بالوحي . أما توحيد اللّه وبراءته عن النقائص ، ومعرفة صفاته العلا ، فجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عالمون ذلك ، معصومون أن يقع منهم زلل في شيء من ذلك ، سابق لهم علم ذلك قبل أن يوحي إليهم . وقد أطلق الإيمان على الصلاة في قوله :{ وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } ، إذ هي بعض ما يتناوله الإيمان .

ومن طالع سير الأنبياء من نشأتهم إلى مبعثهم ، تحقق عنده أنهم معصومون من كل نقيصة ، موحدون للّه منذ نشؤوا . قال اللّه تعالى في حق يحي عليه السلام :{ وَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} قال معمر : كان ابن سنتين أو ثلاث . وعن أبي العالية : ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان . وقال القاضي :{ وَلاَ الإِيمَانُ } : الفرائض والأحكام . قال : وكان قبل مؤمناً بتوحيد اللّه ، ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل ، فزاد بالتكليف إيماناً . وقال القشيري : يجوز إطلاق الإيمان على تفاصيل الشرع . وقال الحسين بن الفضل : هو على حذف مضاف ،

أي ولا أهل الإيمان من الذي يؤمن أبو طالب أو العباس أو غيرهما . وقال علي بن عيسى : إذ كنت في المهد .

وقيل : ما الكتاب لولا إنعامنا عليك ، ولا الإيمان لولا هدايتنا لك .

وقيل : أي كنت من قوم أميين لا يعرفون الإيمان ولا الكتاب ، فتكون أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك منهم . ما الكتاب : جملة استفهامية مبتدأ وخبر ، وهي في موضع نصب بتدري ، وهي معلقة .

{وَلَاكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً } : يحتمل أن يعود إلى قوله :{ رُوحاً } ، وإلى { كِتَابٌ } ، وإلى { الاْيْمَانَ } ، وهو أقرب مذكور . و

قال ابن عطية : عائد على الكتاب . انتهى .

وقيل : يعود إلى الكتاب والإيمان معاً لأن مقصدهما واحد ، فهو نظير :{ وَاللّه وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}

وقرأ الجمهور :{ لَتَهْدِى } ، مضارع هدى مبنياً للفاعل ؛ وحوشب : مبنياً للمفعول ، إجابة سؤاله عليه الصلاة والسلام :{ اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}

وقرأ ابن السميقع : لتهدي بضم التاء وكسر الدال ؛ وعن الجحدري مثلها ومثل قراءة حوشب .{ صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، قال علي : هو القرآن ؛

وقيل : الإسلام .{ أَلاَ إِلَى اللّه تَصِيرُ الاْمُورُ } : أخبر بالمضارع ، والمراد به الديمومة ، كقوله : زيد يعطي ويمنع ، أي من شأنه ذلك ، ولا يراد به حقيقة المستقبل ، أي ترد جميع أمور الخلق إليه تعالى يوم القيامة فيقضي بينهم بالعدل ، وخص ذلك بيوم القيامة ، لأنه لا يمكن لأحد أن يدعي فيه لنفسه شيئاً ، قاله الفراء .

﴿ ٥٣