١٦أولئك أصحاب الجنة . . . . . ولما ذكر : { جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ، قال :{ وَوَصَّيْنَا } ، إذ كان بر الوالدين ثانياً أفضل الأعمال ، إذ في الصحيح : أي الأعمال أفضل ؟ فقال الصلاة على ميقاتها قال : ثم أي ؟ قال : ثم بر الوالدين ، وإن كان عقوقهما ثاني أكبر الكبائر ، إذ قال عليه الصلاة والسلام : { ألا أنبئكم ؟ بأكبر الكبائر ؟ الإشراك باللّه وعقوق الوالدين } ، والوارد في برهما كثير . وقرأ الجمهور : حسناً ، بضم الحاء وإسكان السين ؛ وعلي ، والسلمي ، وعيسى : بفتحهما ؛ وعن عيسى : بضمهما ؛ والكوفيون : إحساناً ، فقيل : ضمن ووصينا معنى ألزمنا ، فيتعدى لاثنين ، فانتصب حسناً وإحساناً على المفعول الثاني لوصينا . وقيل : التقدير : إيصاء ذا حسن ، أو ذا إحسان . ويجوز أن يكون حسناً بمعنى إحسان ، فيكون مفعولاً له ، أي ووصيناه بهما لإحساننا إليهما ، فيكون الإحسان من اللّه تعالى . وقيل : النصب على المصدر على تضمين وصينا معنى أحسنا بالوصية للإنسان بوالديه إحساناً . و قال ابن عطية : ونصب هذا يعني إحساناً على المصدر الصريح والمفعول الثاني في المجرور ؛ والباء متعلقة بوصينا ، أو بقوله : إحساناً . انتهى . ولا يصح أن يتعلق بإحساناً ، لأنه مصدر بحرف مصدري والفعل ، فلا يتقدم معموله عليه ، ولأن أحسن لا يتعدى بالباء ، إنما يتعدى باللام ؛ تقول : أحسنت لزيد ، ولا تقول : أحسنت بزيد ، على معنى أن الإحسان يصل إليه . وتقدم الكلام { عَلَى وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } في سورة العنكبوت ، وانجر هنا بالكلام على ذلك مزيداً للفائدة . {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً } : لبس الكره في أول علوقها ، بل في ثاني استمرار الحمل ، إذ لا تدبير لها في حمله ولا تركه . انتهى . ولا يلحقها كره إذ ذاك ، فهذا احتمال بعيد . وقال مجاهد ، والحسن ، وقتادة : المعنى حملته مشقة ، ووضعته مشقة . وقرأ الجمهور : بضم الكاف ؛ وشيبة ، وأبو جعفر ، والأعرج ، والحرميان ، وأبو عمرو : بالفتح ؛ وبهما معاً : أبو رجاء ، ومجاهد ، وعيسى ؛ والضم والفتح لغتان بمعنى واحد ، كالعقر والعقر . وقالت فرقة : بالضم المشقة ، وبالفتح الغلبة والقهر ، وضعفوا قراءة الفتح . وقال بعضهم : لو كان بالفتح ، لرمت به عن نفسها إذ معناه : القهر والغلبة . انتهى . وهذا ليس بشيء ، إذ قراءة الفتح في السبعة المتواترة . وقال أبو حاتم : القراءة بفتح الكاف لا تحسن ، لأن الكره بالفتح ، النصب والغلبة . انتهى . وكان أبو حاتم يطعن في بعض القرآن بما لا علم له به جسارة منه ، عفا اللّه عنه ، وانتصابهما على الحال من ضمير الفاعل ، أي حملته ذات كره ، أو على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي حملاً ذاكره . {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } : أي ومدة حمله وفصاله ، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصاً ؛ إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وترضع عامين ، وإما أن تلد لتسعة أشهر على العرف وترضع عامين غير ربع عام . فإن زادت مدة الحمل ، نقصت مدة الرضاع . فمدة الرضاع عام وتسعة أشهر ، وإكمال العامين لمن أراد أن يتم الرضاعة . وقد كشفت التجربة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، كنص القرآن . وقال جالينوس : كنت شديد الفحص عن مقدر زمن الحمل ، فرأيت امرأة ولدت لمائة وأربع وثمانين ليلة . وزعم ابن سينا أنه شاهد ذلك ؛ وأما أكثر الحمل فليس في القرآن ما يدل عليه . قال ابن سينا في الشفاء : بلغني من جهة من أثق به كل الثقة ، أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ، ولدت ولداً نبتت أسنانه . وحكي عن أرسطا طاليس أنه قال : إن مدة الحمل لكل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان ، فربما وضعت لسبعة أشهر ، ولثمانية ، وقل ما يعيش الولد في الثامن ، إلا في بلاد معينة مثل مصر . انتهى . وعبر عن الرضاع بالفصال ، لما كان الرضاع يلي الفصال ويلابسه ، لأنه ينتهي به ويتم ، سمي به . وقرأ الجمهور : وفصاله ، وهو مصدر فاصل ، كأنه من اثنين : فاصل أمه وفاصلته . وقرأ أبو رجاء ، والحسن ، وقتادة ، والجحدري : وفصله ، قيل : والفصل والفصال مصدران ، كالفطم والفطام . وهنا لطيفة : ذكر تعالى الأم في ثلاثة مراتب في قوله : بوالديه وحمله وإرضاعه المعبر عنه بالفصال ، وذكر الولد في واحدة في قوله : بوالديه ؛ فناسب ما قال الرسول من جعل ثلاثة أرباع البر للأم والربع للأب في قول الرجل : { يا رسول اللّه ، من أبر ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أباك} . {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } في الكلام حذف تكون حتى غاية له ، تقديره : فعاش بعد ذلك ، أو استمرت حياته ؛ وتقدم الكلام في { بَلَغَ أَشُدَّهُ } في سورة يوسف . والظاهر ضعف قول من قال : بلوغ الأشد أربعون ، لعطف { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} والعطف يقتضي التغاير ، إلا إن ادعى أن ذلك توكيد لبلوغ الأشد فيمكن ؛ والتأسيس أولى من التأكيد ؛ وبلوغ الأربعين اكتمال العقل لظهور الفلاح . قيل : ولم يبعث نبي إلا بعد الأربعين . وفي الحديث : أن الشيطان يجر يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب ويقول : يأتي وجه لا يفلح .{ قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى والِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ } : وتقدم الكلام على هذا في سورة النمل .{ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } : سأل أن يجعل ذريته موقعاً للصلاح ومظنة له ، كأنه قال : هب لي الصلاح في ذريتي ، فأوقعه فيهم ، أو ضمن : وأصلح لي معنى : وألطف بي في ذريتي ، لأن أصلح يقتدي بنفسه لقوله :{ وَأَصْلَحْنَا لَهُ } ، فلذلك احتج قوله :{ لِى فِى ذُرّيَّتِى } إلى التأويل . قيل : نزلت في أبي بكر رضي اللّه عنه ، وتتناول من بعده ، وهو مشكل ، لأنها نزلت بمكة ، وأبوه أسلم عام الفتح . ولقوله :{ أُوْلَائكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } : فلم يقصد بذلك أبو بكر ولا غيره . والمراد بالإنسان الجنس ، ولذلك أشار يقوله :{ أُوْلَائِكَ } جمعاً . وقرأ الجمهور : يتقبل مبنياً للمفعول ، أحسن رفعاً ، وكذا ويتجاوز ؛ وزيد بن علي ، وابن وثاب ، وطلحة ، وأبو جعفر ، والأعمش : بخلاف عنه . وحمزة ، والكسائي ، وحفص : نتقبل أحسن نصباً ، ونتجاوز بالنون فيهما ؛ والحسن ، والأعمش ، وعيسى : بالياء فيهما مفتوحة ونصب أحسن . {فِى أَصْحَابِ الْجَنَّةِ } ،قيل : في بمعنى مع ؛ وقيل : هو نحو قولك : أكرمني الأمير في ناس من أصحابه ، يريد في جملة من أكرم منهم ، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة . وانتصب { وَعْدَ الصّدْقِ } على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ، لأن قوله :{ أُوْلَائكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ } ، وعد منه تعالى بالتقبل والتجاوز ، لما ذكر الإنسان البار بوالديه وما آل إليه من الخير ، ذكر العاق بوالديه |
﴿ ١٦ ﴾