٣٢

وإذ صرفنا إليك . . . . .

{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الْجِنّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءانَ } : ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما بين أن الإنسي مؤمن وكافر ، وذكر أن الجن فيهم مؤمن وكافر ؛ وكان ذلك بأثر قصة هود وقومه ، لما كان عليه قومه من الشدة والقوة . والجن توصف أيضاً بذلك ، كما

قال تعالى :{ قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الْجِنّ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ} وإن ما أهلك به قوم هود هو الريح ، وهو من العالم الذي لا يشاهد ، وإنما يحس بهبوبه . والجن أيضاً من العالم الذي لا يشاهد . وإن هوداً عليه السلام كان من العرب ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من العرب ، فهذه تجوز أن تكون مناسبة لهذه الآية بما قبلها . وفيها أيضاً توبيخ لقريش وكفار العرب ، حيث أنزل عليهم هذا الكتاب المعجز ، فكفروا به ، وهم من أهل اللسان الذي أنزل به القرآن ، ومن جنس الرسول الذي أرسل إليهم . وهؤلاء جن ، فليسوا من جنسه ، وقد أثر فيهم سماع القرآن وآمنوا به وبمن أنزل عليه ، وعلموا أنه من عند اللّه ، بخلاف قريش وأمثالها ، فهم مصرون على الكفر به .

{وَإِذْ صَرَفْنَا } : وجّهنا إليك .

وقرأ : صرفنا ، بتشديد الراء ، لأنهم كانوا جماعة ، فالتكثير بحسب الحال .{ نَفَراً مّنَ الْجِنّ } ، والنفر دون العشرة ، ويجمع على أنفار . قال ابن عباس : كانوا سبعة ، منهم زوبعة . والذي يجمع اختلاف الروايات ، أن قصة الجن كانت مرتين .

إحداهما : حين انصرف من الطائف ، وكان خرج إليهم يستنصرهم في قصة ذكرها أصحاب السير . فروى أن الجن كانت تسترق

السمع ؛ فلما بعث الرسول ، حرست السماء ، ورمي الجن بالشهب ، قالوا : ما هذا إلا أمر حدث . وطافوا الأرض ، فوافوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بوادي نخلة ، وهو قائم يصلي ؛ فاستمعوا لقراءته ، وهو لا يشعر ؛ فأنبأه اللّه باستماعهم .

{الثَّالِثَةَ الاْخْرَى } : أن اللّه أمره أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فقال : { إني أمرت أن أقرأ على الجن فمن يتبعني } ، قالها ثلاثاً ، فأطرقوا إلا عبد اللّه بن مسعود ، قال : لم يحضره أحد ليلة الجن غيري . فانطلقنا حتى إذا كنا في شعب الحجون ، خط لي خطاً وقال :  { لا تخرج منه حتى أعود إليك } ، ثم افتتح القرآن . وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ، ثم تقطعوا تقطع السحاب ، فقال لي :  { هل رأيت شيئاً } ؟

قلت : نعم ، رجالاً سوداً مستثفري ثياب بيض ، فقال :  { أولئك جن نصيبين} . وكانوا اثني عشر ألفاً ، والسورة التي قرأها عليهم : اقرأ باسم ربك . وفي آخر هذا الحديث

قلت : يا رسول اللّه ، سمعت لهم لغطاً ، فقال : { إنهم تدارؤا في قتيل لهم فحكمت بالحق} . وقد روي عن ابن مسعود أنه لم يحضر أحد ليلة الجن ، واللّه أعلم بصحة ذلك .

{فَلَمَّا حَضَرُوهُ } : أي القرآن ، أي كانوا بمسمع منه ،

وقيل : حضروا الرسول ، وهو التفات من إليك إلى ضمير الغيب .{ قَالُواْ أَنصِتُواْ } : أي اسكتوا للاستماع ، وفيه تأديب مع العلم وكيف يتعلم .

وقرأ الجمهور :{ فَلَمَّا قُضِىَ } : مبنياً للمفعول ؛ وأبو مجلز ، وحبيب بن عبد اللّه بن الزبير : قضى ، مبنياً للفاعل ، أي قضى محمد ما قرأ ، أي أتمه وفرغ منه . وقال ابن عمر ، وجابر بن عبد اللّه : قرأ عليهم سورة الرحمن ، فكان إذا قال :{ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } ، قالوا : لا شيء من آيات ربنا نكذب ربنا لك الحمد .{ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } : تفرقوا على البلاد ينذرون الجن . قال قتادة : ما أسرع ما عقل القوم . انتهى . وعند ذلك وقعت قصة سواد بن قارب ، وخنافر وأمثالهما ، حين جاءهما رياهما من الجن ، وكان سبب إسلامهما .

{مِن بَعْدِ مُوسَى } : أي من بعد كتاب موسى . قال عطاء : كانوا على ملة اليهود ،

وعن ابن عباس : لم تسمع الجن بأمر عيسى ، وهذا لا يصح عن ابن عباس . كيف لا تسمع بأمر عيسى وله أمة عظيمة لا تنحصر على ملته ؟ فيبعد عن الجن كونهم لم يسمعوا به . ويجوز أن يكونوا قالوا :{ مِن بَعْدِ مُوسَى } تنبيهاً لقومهم على اتباع الرسول ، إذ كان عليه الصلاة والسلام قد بشر به موسى ، فقالوا : ذلك من حيث أن هذا الأمر مذكور في التوراة ، { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من التوراة والإنجيل والكتب الإلهية ، إذ كانت كلها مشتملة على التوحيد والنبوة والمعاد ، والأمر بتطهير الأخلاق .{ يَهْدِى إِلَى الْحَقّ } : أي إلى ما هو حق في نفسه صدق ، يعلم ذلك بصريح العقل .{ وَإِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ } : غابر بين اللفظين ، والمعنى متقارب ، وربما استعمل أحدهما في موضع لا يستعمل الآخر فيه ، فجمع هنا بينهما وحسن التكرار .{ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللّه } : هو الرسول ، والواسطة المبلغة عنه ، { ياقَوْمَنَا أَجِيبُواْ } : يعود على اللّه .

{يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } : من للتبعيض ، لأنه لا يغفر بالإيمان ذنوب المظالم ، قال معناه الزمخشري .

وقيل : من زائدة ، لأن الإسلام يجب ما قبله ، فلا يبقى معه تبعة .{ وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } : وهذا كله وظواهر القرآن تدل على الثواب ، وكذا قال ابن عباس : لهم ثواب وعليهم عقاب ، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها .

وقيل : لا ثواب لها إلا النجاة من النار ، وإليه كان يذهب أبو حنيفة .{ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى الاْرْضَ } : أي بفائت من عقابه ، إذ لا منجا منه ، ولا مهرب ، كقوله :{ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللّه فِى الاْرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} وروي عن ابن عامر : وليس لهم بزيادة ميم .

﴿ ٣٢