٤٣

يوم يكشف عن . . . . .

{يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } : وعلى هذا القول الناصب ليوم فليأتوا .

وقيل : اذكر ،

وقيل التقدير : يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت ، وحذف للتهويل العظيم بما يكون فيه من الحوادث ؛ والظاهر وقول الجمهور : إن هذا اليوم هو يوم القيامة . وقال أبو مسلم : هذا اليوم هو في الدنيا لأنه قال :{ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ } ، ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف ، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه لقوله :{ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لاَ بُشْرَى } ، ثم يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها ، فلا يستطيع الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع فيه نفساً إيمانها ؛

وإما حال المرض والهرم والمعجزة .{ وَقَدْ كَانُواْ } قبل ذلك اليوم ، { يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } مما بهم الآن . فذلك إما لشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت ،

وإما من العجز والهرم . وأجيب بأن الدعاء إلى السجود ليس على سبيل التكليف ، بل على سبيل التقريع والتخجيل . وعند ما يدعون إلى السجود ، سلبوا القدرة عليه ، وحيل بينهم وبين الاستطاعة حتى يزداد حزنهم وندامتهم على ما فرطوا فيه حين دعوا إليه وهم سالمون الأطراف والمفاصل .

وقرأ الجمهور :{ يُكْشَفُ } بالياء مبنياً للمفعول .

وقرأ عبد اللّه بن أبي عبلة : بفتح الياء مبنياً للفاعل ؛ وابن عباس وابن مسعود أيضاً وابن هرمز : بالنون ؛ وابن عباس : يكشف بفتح الياء منبياً للفاعل ؛ وعنه أيضاً بالياء مضمومة مبنياً للمفعول . وقرىء : يكشف بالياء المضمومة وكسر الشين ، من أكشف إذا دخل في الكشف ، ومنه أكشف الرجل : انقلبت شفته العليا ، وكشف الساق كناية عن شدة الأمر وتفاقمه . قال مجاهد : هي أول ساعة من يوم القيامة وهي أفظعها . ومما جاء في الحديث من قوله : { فيكشف لهم عن ساق } ، محمول أيضاً على الشدة في ذلك اليوم ، وهو مجاز شائع في لسان العرب . قال حاتم : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها

وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا

وقال الراجز : عجبت من نفسي ومن إشفاقها

ومن طرادي الخيل عن أرزاقها

في سنة قد كشفت عن ساقها

حمراء تبري اللحم عن عراقها

وقال الراجز : قد شمرت عن ساقها فشدوا

وجدّت الحرب بكم فجدوا

وقال آخر : صبراً امام إن شرباق

وقامت الحرب بنا على ساق

وقال الشاعر : كشفت لهم عن ساقها

وبدا من الشر البوا

ويروى : الصداح .

وقال ابن عباس : يوم يكشف عن شدة . وقال أبو عبيدة : هذه كلمة تستعمل في الشدة ، يقال : كشف عن ساقه إذا تشمر . قال : ومن هذا تقول العرب لسنة الجدب : كشفت ساقها ، ونكر ساق للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة ، خارج عن المألوف ، كقوله تعالى : { يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِ إِلَى شَىْء نُّكُرٍ } ، فكأنه قيل : يوم يقع أمر فظيع هائل .{ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } : ظاهره أنهم يدعون ، وتقدم أن ذلك على سبيل التوبيخ لا على سبيل التكليف .

وقيل : الداعي ما يرونه من سجود المؤمنين ، فيريدون هم السجود فلا يستطيعونه ، كما ورد في الحديث الذي حاورهم فيه اللّه تعالى أنهم يقولون : أنت ربنا ، ويخرون للسجود ، فيسجد كل مؤمن وتصير أصلاب المنافقين والكفار كصياصي البقر عظماً واحداً ، فلا يستطيعون سجوداً . انتهى . ونفي الاستطاعة للسجود في الآخرة لا يدل على أن لهم استطاعة في الدنيا ، كما ذهب إليه الجبائي . و { خَاشِعَةٌ } : حال ، وذو الحال الضمير في { يَدَّعُونَ } ، وخص الأبصار بالخشوع ، وإن كانت الجوارح كلها خاشعة ، لأنه أبين فيه منه في كل جارحة ، { تَرْهَقُهُمْ } : تغشاهم ، { ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} قيل : هو عبارة عن جميع الطاعات ، وخص بالذكر من حيث هو أعظم الطاعات ، ومن حيث امتحنوا به في الآخرة . وقال النخعي والشعبي : أراد بالسجود : الصلوات المكتوبة . وقال ابن جبير : كانوا يسمعون النداء للصلاة وحي على الفلاح فلا يجيبون .

﴿ ٤٣