٢٣

وقالوا لا تذرن . . . . .

{وَقَالُواْ } : أي كبراؤهم لأتباعهم ، أو قالوا ، أي جميعهم بعضهم لبعض ، { لاَ تَذَرُنَّ } : لا تتركن ، { ءالِهَتَكُمْ } : أي أصنامكم ، وهو عام في جميع أصنامهم ، ثم خصبوا بعد أكابر أصنامهم ، وهو ودّ وما عطف عليه ؛ وروي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الزمان . قال عروة بن الزبير : كانوا بني آدم ، وكان ودّاً أكبرهم وأبرهم به . وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس : كانوا بني آدم ونوح عليهما السلام ، ماتوا فصورت أشكالهم لتذكر أفعالهم الصالحة ، ثم هلك من صورهم وخلف من يعظمها ، ثم كذلك حتى عبدت . قيل : ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها .

وقيل : بل الأسماء فقط إلى قبائل من العرب . فكان ودّ لكلب بدومة الجندل ؛ وسواع لهذيل ،

وقيل : لهمدان ؛ ويغوث لمراد ،

وقيل : لمذحج ؛ ويعوق لهمدان ،

وقيل : لمراد ؛ ونسر لحمير ،

وقيل : لذي الكلاع من حمير ؛ ولذلك سمت العرب بعبد ودّ وعبد يغوث ؛ وما وقع من هذا الخلاف في سواع ويغوث ويعوق يمكن أن يكون لكل واحد منهما صنم يسمى بهذا الاسم ، إذ يبعد بقاء أعيان تلك الأصنام ، فإنما بقيت الأسماء فسموا أصنامهم بها . قال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث ، وكان من رصاص ، يحمل على جمل أجرد يسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك ، فإذا برك نزلوا وقالوا : قد رضي لكم المنزل ، فينزلون حوله ويضربون له بناء . انتهى . وقال الثعلبي : كان يغوث لكهلان من سبأ ، يتوارثونه حتى صار في همدان ، وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني : يريش اللّه في الدنيا ويبري

ولا يبري يغوث ولا يريش

وقال الماوردي : ود اسم صنم معبود . سمي وداً لودهم له . انتهى .

وقيل : كان ود على صورة رجل ، وسواع على صورة امرأة ، ويغوث على صورة أسد ، ويعوق على صورة فرس ، ونسر على صورة نسر ، وهذا مناف لما تقدم من أنهم صوروا صور ناس صالحين .

وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة ، بخلاف عنهم : وداً ، بضم الواو ؛ والحسن والأعمش وطلحة وباقي السبعة : بفتحها ، قال الشاعر :

حياك ودّ فإنا لا يحل لنا

لهو النساء وأن الدين قد عزما

وقال آخر :

فحياك ودّ من هداك لعسه

وخوص باعلاذي فضالة هجه

قيل : أراد ذلك الصنم .

وقرأ الجمهور : { وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ } بغير تنوين ، فإن كانا عربيين ، فمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل ، وإن كانا عجميين ، فللعجمة والعلمية .

وقرأ الأشهب : ولا يغوثا ويعوقا بتنوينهما . قال صاحب اللوامح : جعلهما فعولاً ، فلذلك صرفهما . فأما في العامة فإنهما صفتان من الغوث والعوق بفعل منهما ، وهما معرفتان ، فلذلك منع الصرف لاجتماع الفعلين اللذين هما تعريف ومشابهة الفعل المستقبل . انتهى ، وهذا تخبيط . أما أولاً ، فلا يمكن أن يكونا فعولاً ، لأن مادة يغث مفقودة وكذلك يعق ؛

وأما ثانياً ، فليسا بصفتين من الغوث والعوق ، لأن يفعلا لم يجىء اسماً ولا صفة ، وإنما امتنعا من الصرف لما ذكرناه . و

قال ابن عطية :

وقرأ الأعمش : ولا يغوثا ويعوقا بالصرف ، وذلك وهم لأن التعريف لازم ووزن الفعل . انتهى . وليس ذلك بوهم ، ولم ينفرد الأعمش بذلك ، بل قد وافقه الأشهب العقيلي على ذلك ، وتخريجه على أحد الوجهين ،

أحدهما : أنه جاء على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف عند عامة العرب ، وذلك لغة وقد حكاها الكسائي وغيره ؛

والثاني : أنه صرف لمناسبة ما قبله وما بعده من المنون ، إذ قبله { وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً } ، وبعده { وَنَسْراً } ، كما قالوا في صرف { سلاسلاً } ، و { قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ } ، لمن صرف ذلك للمناسبة .

وقال الزمخشري : وهذه قراءة مشكلة ، لأنهما إن كانا عربيين أو أعجميين ففيهما منع الصرف ، ولعله قصد الازدواج فصرفهما لمصادفته أخواتهما منصرفات { وُدّاً وَيَعُوقَ وَنَسْراً } ، كما قرىء :{ وَضُحَاهَا } بالإمالة لوقوعه مع الممالات للازدواج . انتهى . وكان الزمخشري لو يدر أن ثم لغة لبعض العرب تصرف كل ما لا ينصرف عند عامتهم ، فلذلك استشكلها .

﴿ ٢٣