٢٠

إن ربك يعلم . . . . .

{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى } : تصلي ، كقوله :{ قُمِ الَّيْلَ} لما كان أكثر أحوال الصلاة القيام عبر به عنها ، وهذه الآية نزلت تخفيفاً لما كان استمرار استعماله من أمر قيام الليل ، إما على الوجوب ،

وإما على الندب ، على الخلاف الذي سبق ؛{ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ } : أي زماناً هو أقل من ثلثي الليل ، واستعير الأدنى ، وهو الأقرب للأول ، لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز ، وإذا بعدت كثر ذلك .

وقرأ الجمهور :{ مِن ثُلُثَىِ } بضم اللام ؛ والحسن وشيبة وأبو حيوة وابن السميفع وهشام وابن مجاهد ، عن قنبل فيما ذكر صاحب الكامل : بإسكانها ، وجاء ذلك عن نافع وابن عامر فيما ذكر صاحب اللوامح .

وقرأ العربيان ونافع : ونصفه وثلثه ، بجرهما عطفاً على { إِنَّ رَبَّكَ } ؛ وباقي السبعة وزيد بن علي : بالنصب عطفاً على { أَدْنَى } ، لأنه منصوب على الظرف ، أي وقتاً أدنى من ثلثي الليل . فقراءة النصب مناسبة للتقسيم الذي في أول السورة ، لأنه إذا قام الليل إلا قليلاً صدق عليه { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ } ، لأن الزمان الذي لم يقم فيه يكون الثلث وشيئاً من الثلثين ، فيصدق عليه قوله :{ إِلاَّ قَلِيلاً}

وأما قوله :{ وَنِصْفَهُ } فهو مطابق لقوله أولاً :{ نّصْفَهُ}

وأما ثلثه فإن قوله :{أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً } قد ينتهي النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلث الليل .

وأما قوله :{أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } ، فإنه إذا زاد على النصف قليلاً ، كان الوقت أقل من الثلثين ، فيكون قد طابق قوله :{ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ } ، ويكون قوله تعالى :{ نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً } شرحاً لمبهم ما دل عليه قوله :{ قُمِ الَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } ، وعلى قراءة النصب .

قال الحسن وابن جبير : معنى تحصوه : تطيقوه ، أي قدر تعالى أنهم يقدرون الزمان على ما مر في أول السورة ، فلم يطيقوا قيامه لكثرته وشدته ، فخفف تعالى عنهم فضلاً منه ، لا لعلة جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقات .

وأما قراءة الجر ، فالمعنى أنه قيام مختلف ؛ مرة أدنى من الثلثين ، ومرة أدنى من النصف ، ومرة أدنى من الثلث ، وذلك لتعذر معرته البشر مقادير الزمان مع عذر النوم . وتقدير الزمان حقيقة إنما هو للّه تعالى ، والبشر لا يحصون ذلك ، أي لا يطيقون مقادير ذلك ، فتاب عليهم ، أي رجع بهم من الثقل إلى الخفة وأمرهم بقيام ما تيسر . وعلى القراءتين يكون علمه تعالى بذلك على حسب الوقوع منهم ، لأنهم قاموا تلك المقادير في أوقات مختلفة قاموا أدنى من الثلثين ونصفاً وثلثاً ، وقاموا أدنى من النصف وأدنى من الثلث ، فلا تنافي بين القراءتين .

وقرأ الجمهور :{ وَثُلُثَهُ } بضم اللام ؛ وابن كثير في رواية شبل : بإسكانها ؛ وطائفة : معطوف على الضمير المستكن في { تَقُومُ } ، وحسنة الفصل بينهما . وقوله :{ وَطَائِفَةٌ مّنَ الَّذِينَ مَعَكَ } دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع ، إذ لو كان فرضاً ، لكان التركيب : والذين معك ، إلا إن اعتقد أنهم كان منهم من يقوم في بيته ، ومنهم من يقوم معه ، فيمكن إذ ذاك الفرضية في حق الجميع .

{وَاللّه يُقَدّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ } : أي هو وحده تعالى العالم بمقادير الساعات .

قال الزمخشري : وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنياً عليه يقدر هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير . انتهى . وهذا مذهبه ، وإنما استفيد الاختصاص من سياق الكلام لا من تقديم المبتدأ . لو

قلت : زيد يحفظ القرآن أو يتفقه في كتاب سيبويه ، لم يدل تقديم المبتدأ على الاختصاص . وأن مخففة من الثقيلة ، والضمير في { نحصوه } ، الظاهر أنه عائد على المصدر المفهوم من يقدر ، أي أن لن تحصوا تقدير ساعات الليل والنهار ، لا تحيطوا بها على الحقيقة .

وقيل : الضمير يعود على القيام المفهوم من قوله :{ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} قيل : فيه دليل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به .

وقيل : رجع بكم من ثقل إلى خف ، ومن عسر إلى عسر ، ورخص

لكم في ترك القيام المقدر . { فَاقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءانِ } : عبر بالقراءة عن الصلاة لأنها بعض أركانها ، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود ، أي فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل .

وقيل : وهذا ناسخ للأول ، ثم نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس . وهذا الأمر بقوله :{ فاقرؤا } ، قال الجمهور : أمر إباحة ، وقال ابن جبير وجماعة : هو فرض لا بد منه ، ولو خمسين آية . وقال الحسن وابن سيرين : قيام الليل فرض ، ولو قدر حلب شاة .

وقيل : هو أمر بقراءة القرآن بعينها ، لا كناية عن الصلاة . وإذا كان المراد : فاقرؤا في الصلاة ما تيسر ، فالظاهر أنه لا يتعين ما يقرأ ، بل إذا قرأ ما تيسر له وسهل عليه أجزأه وقدره ، وأبو حنيفة بآية ، حكاه عنه الماوردي ؛ وبثلاث . حكاه ابن العربي ؛ وعين مالك والشافعي ما تيسر ، قالا : هو فاتحة الكتاب ، لا يعدل عنها ولا يقتصر على بعضها .

{الْقُرْءانِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَى } : بيان لحكمة النسخ ، وهي تعذر القيام على المرضى ، والضاربين في الأرض للتجارة ، والمجاهدين في سبيل اللّه، { فَاقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } ، كرر ذلك على سبيل التوكيد . ثم أمر بعمودي الإسلام البدني والمالي ، ثم قال :{ وَأَقْرِضُواُ اللّه قَرْضاً حَسَناً } : العطف يشعر بالتغاير ، فقوله :{ وَإِذْ أَخَذْنَا } أمر بأداء الواجب ، { وَأَقْرِضُواُ اللّه } : أمر بأداء الصدقات التي يتطوع بها .

وقرأ الجمهور :{ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } بنصبهما ، واحتمل هو أن يكون فصلاً ، وأن يكون تأكيداً لضمير النصب في { تَجِدُوهُ} ولم يذكر الزمخشري والحوفي وابن عطية في إعراب هو إلا الفصل . وقال أبو البقاء : هو فصل ، أو بدل ، أو تأكيد . فقوله : أو بدل ، وهم لو كان بدلاً لطابق في النصب فكان يكون إياه .

وقرأ أبو السمال وابن السميفع : هو خير وأعظم ، برفعهما على الابتداء أو الخبر . قال أبو زيد : هو لغة بني تميم ، يرفعون ما بعد الفاصلة ، يقولون : كان زيد هو العاقل بالرفع ، وهذا البيت لقيس بن ذريح وهو : نحن إلى ليلى وأنت تركتها

وكنت عليها بالملا أنت أقدر

قال أبو عمرو الجرمي : أنشد سيبويه هذا البيت شاهداً للرفع والقوافي مرفوعة . ويروى : أقدر .

وقال الزمخشري : وهو فصل وجاز وإن لم يقع بين معرفتين ، لأن أفعل من أشبه في امتناعه من حرف التعريف المعرفة . انتهى . وليس ما ذكر متفقاً عليه . ومنهم من أجازه ، وليس أفعل من أحكام الفصل ومسائله ، والخلاف الوارد فيها كثير جداً ، وقد جمعنا فيه كتاباً سميناه بالقول الفصل في أحكام الفصل ، وأودعنا معظمه شرح التسهيل من تأليفنا .

﴿ ٢٠