١٩لا تحرك به . . . . . {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ } : الظاهر والمنصوص الصحيح في سبب النزول أنه خطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم على ما سنذكر إن شاء اللّه تعالى . وقال القفال : هو خطاب للإنسان المذكور في قوله :{ يُنَبَّأُ الإِنسَانُ } ، وذلك حال تنبئه بقبائح أفعاله ، يعرض عليه كتابه فيقال له : اقرأ كتابك ، كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً . فإذا أخذ في القراءة تلجلج من شدّة الخوف وسرعة القراءة ، فقيل له :{ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } ، فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك .{ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } عليك ، { فَاتَّبِعْ قُرْءانَهُ } بأنك فعلت تلك الأفعال .{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } : أي بيان أمره وشرح عقوبته . وحاصل قول هذا القول أنه تعالى يقرر الكافر على جميع أفعاله على التفصيل ، وفيه أشد الوعيد في الدنيا والتهويل في الآخرة . وفي صحيح البخاري عن ابن عباس : أنه عليه الصلاة والسلام كان يعالج من التنزيل شدّة ، وكان بما يحرك شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه لحينه ، فنزلت . وقال الضحاك : السبب أنه كان عليه الصلاة والسلام كان يخاف أن ينسى القرآن ، فكان يدرسه حتى غلب ذلك عليه وشق ، فنزلت . وقال الشعبي : كان لحرصه عليه الصلاة والسلام على أداء الرسالة والاجتهاد في عبادة اللّه ربما أراد النطق ببعض ما أوحي إليه قبل كمال إيراد الوحي ، فأمر أن لا يعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه ، وجاءت هذه الآية في هذا المعنى . والضمير في به للقرآن دل عليه مساق الآية .{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } : أي في صدرك ، { وَقُرْءانَهُ } : أي قراءتك إياه ، والقرآن مصدر كالقراءة ، قال الشاعر ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا وقيل : وقرآنه : وتأليفه في صدرك ، فهو مصدر من قرأت : أي جمعت ، ومنه قولهم للمرأة التي لم تلد : ما قرأت سلاقط ، وقال الشاعر : ذراعي بكرة أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } : أي الملك المبلغ عنا ، { فَأَتْبَعَ } : أي بذهنك وفكرك ، أي فاستمع قراءته ، قاله ابن عباس . وقال أيضاً هو قتادة والضحاك : فاتبع في الأوامر والنواهي . وفي كتاب ابن عطية ، وقرأ أبو العالية : فإذا قرته فاتبع قرته ، بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف في الثلاثة ، ولم يتكلم على توجيه هذه القراءة الشاذة ، ووجه اللفظ الأول أنه مصدر ، أي إن علينا جمعه وقراءته ، فنقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة وحذفها فبقي قرته كما ترى . وأمّا الثاني فإنه فعل ماض أصله فإذا قرأته ، أي أردت قراءته ؛ فسكن الهمزة فصار قرأته ، ثم حذف الألف على جهة الشذوذ ، كما حذفت في قول العرب : ولو تر ما الصبيان ، يريدون : ولو ترى ما الصبيان ، وما زائدة . وأمّا اللفظ الثالث فتوجيهه توجيه اللفظ الأول ، أي فإذا قرأته ، أي أردت قراءته ، فاتبع قراءته بالدرس أو بالعمل .{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } ، قال قتادة وجماعة : أن نبينه لك ونحفظكه . وقيل : أن تبنيه أنت . وقال قتادة أيضاً : أن نبين حلاله وحرامه ومجمله ومفسره . وفي التحرير والتحبير قال ابن عباس :{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } : أي حفظه في حياتك ، وقراءته : تأليفه على لسانك . وقال الضحاك : نثبته في قلبك بعد جمعه لك . وقيل : جمعه بإعادة جبريل عليك مرة أخرى إلى أن يثبت في صدرك .{ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } ، قال ابن عباس : أنزلناه إليك ، فاستمع قراءته ، وعنه أيضاً : فإذا يتلى عليكك فاتبع ما فيه . وقال قتادة : فاتبع حلاله واجتنب حرامه . وقد نمق الزمخشري بحسن إيراده تفسير هذه الآية فقال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا لقن الوحي ، نازع جبريل القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفاً من أن يتفلت منه ، فأمر بأن يستنصت له ملقياً إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي إليه وحيه ، ثم يعقبه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه . والمعنى : لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأ .{ لِتَعْجَلَ بِهِ } : لتأخذه على عجلة ولئلا يتفلت منك ، ثم علل النهي عن العجلة بقوله :{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } في صدرك وإثبات قراءته في لسانك .{ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } : جعل قراءة جبريل قراءته ، والقرآن القراءة ، فاتبع قراءته : فكن مقفياً له فيه ولا تراسله ، وطامن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ ، فنحن في ضمان تحفيظه .{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } : إذا أشكل عليك شيء من معانيه ، كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعاً ، كما ترى بعض الحراص على العلم ونحوه ، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه . انتهى . وذكر أبو عبد اللّه الرازي في تفسيره : أن جماعة من قدماء الروافض زعموا أن القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص منه ، وأنهم احتجوا بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وما قبلها ، ولو كان التركيب من اللّه تعالى ما كان الأمر كذلك . ثم ذكر الرازي مناسبات على زعمه يوقف عليها في كتابه ، ويظهر أن المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه تعالى لما ذكر منكر القيامة والبعث معرضاً عن آيات اللّه تعالى ومعجزاته وأنه قاصر شهواته على الفجور غير مكترث بما يصدر منه ، ذكر حال من يثابر على تعلم آيات اللّه وحفظها وتلقفها والنظر فيها وعرضها على من ينكرها رجاء قبوله إياها ، فظهر بذلك تباين من يرغب في تحصيل آيات اللّه ومن يرغب عنها . وبضدها تتميز الأشياء ولما كان عليه الصلاة والسلام ، لمثابرته على ذلك ، كان يبادر للتحفظ بتحريك لسانه أخبره تعالى أنه يجمعه له ويوضحه . |
﴿ ١٩ ﴾