٣٥{ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل }، قال ابن عباس ذوو الحزم. وقال الضحاك ذوو الجد والصبر. واختلفوا فيهم، فقال ابن زيد كل الرسل كانوا أولي عزم، لم يبعث اللّه نبياً إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال عقل، وإنما أدخلت ((من)) للتجنيس لا للتبعيض، كما يقال اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز. وقال بعضهم الأنبياء كلهم أولو عزم إلا يونس بن متى، لعجلة كانت منه، ألا ترى أنه قيل للنبي صلى اللّه عليه وسلم (( ولا تكن كصاحب الحوت ))؟ وقال قوم هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر، ل قوله تعالى بعد ذكرهم { أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده } (الأنعام-٩٠). وقال الكلبي هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين. وقيل هم ستة، نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، عليهم السلام، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. و قال مقاتل هم ستة نوح، صبر على أذى قومه، ةوإبراهيم، صبر على النار، وإسحاق، صبر على الذبح، ويعقوب، صبر على فقد ولده وذها ببصره، ويوسف، صبر على البئر والسجن، وأيوب، صبر على الضر. وقال ابن عباس و قتادة هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أصحاب الشرائع، فهم مع محمد صلى اللّه عليه وسلم خمسة. قلت ذكرهم اللّه على التخصيص في قوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } (الأحزاب-٧)، وفي قوله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً } (الشورى-١٣). أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد اللّه الفارسي ، حدثنا أبو ذر محمد بن إبراهيم سبط الصالحاني ، أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ الحافظ ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، أخبرنا محمد بن الحجاج ، أخبرنا السري بن حيان ، أخبرنا عباد بن عباد ، حدثنا مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن مسروق قال قالت عائشة قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم { يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن اللّه لم يرض من أولي العزم إلا بالصبر على مكروهها، والصبر على مجهودها، ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم، وقال (( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل )) وإني واللّه لا بد لي من طاعته، واللّه لأصبرن كما صبروا، وأجهدن كما جهدوا، ولا قوة إلا باللّه }. قوله تعالى { ولا تستعجل لهم }، أي ولا تستعجل العذاب لهم، فإنه نازل بهم لا محالة، كأنه ضجر بعض الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأمر بالصبر وترك الاستعجال. ثم أخبر عن قرب العذاب فقال { كأنهم يوم يرون ما يوعدون }، من العذاب في الآخرة، { لم يلبثوا }، [في الدنيا]، { إلا ساعةً من نهار }، أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، لأن ما مضى وإن كان طويلاً كأن لم يكن. ثم قال { بلاغ }، أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من اللّه إليكم، والبلاغ بمعنى التبليغ، { فهل يهلك }، بالعذاب إذا نزل { إلا القوم الفاسقون }، الخارجون من أمر اللّه. قال الزجاج تأويله لا يهلك مع رحمة اللّه وفضله إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم ما في الرجاء لرحمة اللّه آية أقوى من هذه الآية. |
﴿ ٣٥ ﴾