٦١

وقوله سبحانه فلما بلغا مجمع بينهما الضمير

في بينهما للبحرين قاله مجاهد وفي الحديث الصحيح ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا أي مسلكا في جوف الماء وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ويعني بالنصب تعب الطريق قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره اللّه به قال له فتاه ارأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت يريد ذكر ما جرى فيه وما انسانيه أي أن أذكره إلا الشيطان اتخذ سبيله في البحر عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا فقال موسى ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا قال فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجي بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وإني بأرضك السلام قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال معم آتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا يعني لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه يا موسى إني على علم من علم اللّه علمنيه لا تعلمه يريد علم الباطن وأنت على علم من علم اللّه علمكه اللّه لا أعلمه يريد علم الظاهر فقال له موسى ستجدني إن شاء اللّه صابرا ولا أعصي لك أمرا فقال له الخضر فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا أي حتى اشرح لك ما ينبغي شرحه فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغي نول يقول بغير أجر فلما ركبا في السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحا من الواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم

فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا أي شنيعا من الأمور وقال مجاهد الأمر المنكر قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تواخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا قال بن أبي كعب قال النبي صلى اللّه عليه وسلم فكانت الأولى من موسى نسيانا قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك من علم اللّه إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر وفي رواية واللّه ما علمي وعلمك في جنب علم اللّه إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر وفي رواية ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم اللّه إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره قال ع وهذا التشبيه فيه تجوز إذ لا يوجد في المحسوسات أقوى في القلة من نقطة بالإضافة إلى البحر فكانها لا شيء ولم يتعرض الخضر لتحرير موازنة بين المثال بين علم اللّه إذ علمه سبحانه غير متناه ونقط البحر متناهية ثم خرجا من السفينة فبينما ههما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله قال له موسى أقتلت نفسا زاكية قال ع قيل كان هذا الغلام لم يبلغ الحلم فلهذا قال موسى نفسا زاكية وقال فرقة بل كان بالغا

وقوله بغير نفس يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس وهذا يدل على كبر الغلام وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس ولا بغير نفس ت وهذا إذا كان شرعهم كشرعنا وقد يكون شرعهم أن النفس بالنفس عموما في البالغ وغيره وفي العمد والخطأ فلا يلزم من الآية ما ذكر

وقوله لقد جئت شيأ نكرا معناه شيئا ينكر قال ع ونصف القرآن بعد الحروف انتهى إلى النون من قوله نكرا

قال ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صببرا قال هذا أشد من الأولى

قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا اتيا أهل قرية

استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض قال مائل فقال الخضر بيده هكذا فاقامه فقال موسى قوم اتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال سعيد بن جبير أجرا نأكله قال هذا فرقا بيني وبينك إلى قوله ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما قال سعيد فكان ابن عباس يقرأ وكان امامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كفارا وكان أبواه مؤمنين وفي رواية للبخاري يزعمون عن غير سعيد بن جبير أن اسم الملك هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه يزعمون حيسور ويقال جيسور ملك يأخذ كل سفينة غصبا فاردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا اصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافرا فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا أن يحملهما حبه على ان يتابعاه على دينه

فأرادنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة لقوله اقتلت نفسا زاكية واقرب رحما هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر وزعم غير سعيدأنهما أبدلا جارية وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد أنها جارية انتهى لفظ البخاري ت وقد تحرينا في هذا المختصر بحمد اللّه التحقيق فيما علقناه جهد الاستطاعة واللّه المستعان وهو المسؤول أن ينفع به بجوده وكرمه قال ع ويشبه أن تكون هذه القصة أيضا أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة وأيام التلوم ثلاثة فتأمله

وقوله سبحانه فابوا أن يضيفوهما وفي الحديث أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم قال ع وهذه عبرة مصرحة بهوان الدنيا على اللّه عز و جل ص

وقوله فراق بيني الجمهور بإضافة فراق أبو البقاء أي تفريق وصلنا وقرأ ابن أبي عبلة فراق بالتنوين أبو البقاء فبين منصوب على الظرف انتهى

قال ع ووراءهم هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعي بها الزمان وذلك أن الحارث المقدم الوجود هو الإمام والذي يأتي بعد هو الوراء وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد ومن قرأ امامهم أراد في المكان قال ع وفي الحديث أن هذا الغلام طبع يوم طبع كافرا والضمير في خشينا للخضر قال الداودي قوله فخشينا أن يرهقهما أي علمنا انتهى والزكاة شرف الخلق والوقار والسكينة المنطوية على خير ونية والرحم الرحمة

وروي عن ابن جريج أنهما بدلا غلاما مسلما

وروي عنه أنهما بدلا جارية وحكى النقاش أنها ولدت هي وذريتها سبعين نبيا وذكره المهدوي عن ابن عباس وهذا بعيد ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل وهذه المرأة لم تكن فيهم

واختلف الناس في هذا الكنز المذكور هنا فقال ابن عباس كان علما في صحف مدفونة وقال عمر مولى غفرة كان لوحا من ذهب قد كتب فيه عجبا للموقن بالرزق كيف يتعب وعجبا للموقن بالحساب كيف يغفل وعجبا للموقن بالموت كيف يفرح

وروي نحو هذا مما هو في معناه وقال الداودي وكان تحته كنز لهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ذهب وفضة انتهى فإن صح هذا الحديث فلا نظر لأحد معه فاللّه أعلم أي ذلك كان

وقوله سبحانه وكان أبوهما صالحا ظاهر اللفظ والسابق منه إلى الذهن أنه والدهما دنية

وقيل هو الأب السابع

وقيل العاشر فحفظا فيه وفي الحديث أن اللّه تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته وقول الخضر وما فعلته عن أمري يقتضي أنه نبي وقد اختلف فيه فقيل هو نبي

وقيل عبد صالح وليس نبي وكذلك اختلف في موته وحياته واللّه أعلم بجميع ذلك ومما يقضى بموت الخضر قوله صلى اللّه عليه و سلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإن إلى رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض احد قال القرطبي في تذكرته وذكر عن عمرو بن دينار الخضر والياس عليهما السلام حيان فإذا

رفع القرآن ماتا قال القرطبي وهذا هو الصحيح انتهى وحكايات من رأى الخضر من الأولياء لا تحصى كثرة فلا نطيل بسردها وانظر لطائف المنن لابن عطاء اللّه

وقوله

ذلك تأويل أي مئال وحكى السهيلي أنه لماحان للخضر وموسى أن يفترقا قال له الخضر لو صبرت لاتيت على ألف عجب كلها أعجب مما رأيت فبكى موسى وقال للخضر أوصني رحمك اللّه فقال يا موسى أجعل همك في معادك ولا تخض فيما لا يعنيك ولا تأمن من الخوف في أمنك ولا تيأس من الأمن في خوفك وتدبر الأمور في علانيتك ولا تذر الإحسان في قدرتك فقال له موسى زدني يرحمك اللّه فقال له الخضر يا موسى إياك والحاجة ولا تمش في غير حاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعير أحد وإبك على خطيئتك يا ابن عمران انتهى

﴿ ٦١