١٥وقوله تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما الآية هذا ابتداء قصص فيه غيوب وعبر وورث سليمان داود اي ورث ملكه ومنزلته من النبوءة بعد موت ابيه وقوله علمنا منطق الطير اخبار بنعمة اللّه تعالى عندهما فى ان فهمهما من اصوات الطير المعانى التى فى نفوسها وهذا نحو ما كان النبى صلى اللّه عليه و سلم يسمع اصوات الحجارة بالسلام عليه وغير ذلك حسب ما هو فى الآثار قال قتادة وغيره انما كان هذا الأمر فى الطير خاصة والنملة طائر اذ قد يوجد لها جناحان وقالت فرقة بل مكان ذلك فى جميع الحيوان وانما خص الطير لأنه كان جندا من جنود سليمان يحتاجه فى التظليل من الشمس وفى البعث فى الأمور والنمل حيوان فطن قوى شمام جدا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين ليلا ينبت ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت اذا قسمت شقين ويأكل فى عامة نصف ما جمع ويستبقي سائره عدة قال ابن العربى فى احكامه ولا خلاف عند العلماء فى ان الحيوانات كلها لها افهام وعقول وقد قال الشافعى الحمام اعقل الطير انتهى وقوله وأوتينا من كل شىء معناه يصلح لنا ونتمناه وليست على العموم ثم ذكر شكر فضل اللّه تعالى واختلف فى مقدار جند سليمان عليه السلام اختلافا شديدا لا ارى ذكره لعدم صحة التحديد غير ان الصحيح فى هذا ان ملكه كان عظيما ملأ الارض وانقادت له المعمورة كلها وكان كرسيه يحمل اجناده من الانس والجن وكانت الطير تظله من الشمس ويبعثها فى الامور ويوزعون معناه يرد اولهم الى ءاخرهم ويكفون قال قتادة فكان لكل صنف وزعة ومنه قول الحسن البصري حين ولى قضاء البصرة لابد للحاكم من وزعة ومنه قول ابى قحافة للجارية ذلك يا بنية الوازع ومنه قول الشاعر ... على حين عاتبت المشيب على الصبا ... فقلت الما اصح والشيب وازع ... اي كاف وهكذا نقل ابن العربى عن مالك فقال يوزعون اي يكفون قال ابن العربى وقد يكون بمعنى يلهمون من قوله اوزعنى ان اشكر نعمتك اي الهمنى انتهى من الاحكام وقوله تعالى فتبسم ضاحكا من قولها التبسم هو ضحك الانبياء فى غالب امرهم لا يليق بهم سواه وكان تبسمه سرورا بنعمة اللّه تعالى عليه فى أسماعه وتفهيمه وفى قول النملة وهم لا يشعرون ثناء على سليمان وجنوده يتضمن تنزيههم عن تعمد القبيح ثم دعا سليمان عليه السلام ربه ان يعينه ويفرغه لشكر نعمته وهذا معنى ايزاع الشكر وقال الثعلبى وغيره اوزعنى معناه الهمنى وكذلك قال العراقى اوزعنى الهمنى انتهى وقوله تعالى وتفقد الطير الآية قالت فرقة ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بالمملكة والتهمم بكل جزء منها وهذا ظاهر الآية انه تفقد جميع الطير وقالت فرقة بل تفقد الطير لان الشمس دخلت من موضع الهدهد فكان ذلك سبب تفقد الطير ليبين من اين دخلت الشمس وقال عبد اللّه بن سلام انما طلب الهدهد لانه احتاج الى معرفة الماء على كم هو من وجه الارض لانه كان نزل فى مفازة عدم فيها الماء وان الهدهد كان يرى باطن الارض وظاهرها فكان يخبر سليمان بموضع الماء ثم كانت الجن تخرجه فى ساعة وقيل غير هذا واللّه اعلم بما صح من ذلك ثم توعد عليه السلام الهدهد بالعذاب فروى عن ابن عباس وغيره ان تعذيبه للطير كان بنتف ريشه والسلطان الحجة حيث وقع فى القرءان قاله ابن عباس وفعل سليمان هذا بالهدهد اغلاظا على العاصين وعقابا على اخلاله بنبوته ورتبته والضمير فى مكث يحتمل ان يكون لسليمان اوللّهدهد وفى قراءة ابن مسعود فتمكث ثم جاء فقال وفى قراءة ابى فتمكث ثم قال احطت ت وهاتان القراءتان تبينان ان الضمير فى مكث للّهدهد وهو الظاهر ايضا فى قراءة الجماعة ومعنى مكث اقام وقوله غير بعيد يعنى فى الزمن وقوله احطت اي علمت وقرأ الجمهور سبإ بالصرف على انه اسم رجل وبه جاء الحديث عن النبى صلى اللّه عليه و سلم من حديث فروة بن مسيك وغيره سئل عليه السلام عن سبإ فقال كان رجلا له عشرة من الولد تيامن منهم ستة وتشاءم اربعة ورواه الترمذى من طريق فروة بن مسيك وقرأ ابن كثير وابو عمرو سبأ بفتح الهمزة وترك الصرف على انه اسم بلدة وقاله الحسن وقتادة وقوله واوتيت من كل شىء اي مما تحتاجه المملكة قال الحسن من كل امر الدنيا وهذه المرأة هى بلقيس ووصف عرشها بالعظم فى الهيئة ورتبة الملك واكثر بعض الناس فى قصصها بما رأيت اختصاره لعدم صحته وانما اللازم من الآية انها امرأة ملكة على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وكانت كافرة من قوم كفار |
﴿ ١٥ ﴾