١٣٥١٣٦١٣٧قُلْ الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم أي قل يا محمد يا قَوْمِ أي قل لقومك من كفار قريش اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ وقرئ مكاناتكم على الجمع والمكانة تكون مصدرا يقال : مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة كما يقال مقام ومقامة فقوله اعملوا على مكانتكم يحتمل أن يكون معناه اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ويحتمل أن يكون معناه اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها كما يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله : مكانتك يا فلان أي أثبت على ما أنت عليه لا تتغير عنه. وقال ابن عباس معناه اعملوا على ناحيتكم إِنِّي عامِلٌ يعني إني عامل على مكانتي التي أنا عليها وما أمرني به ربي والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة فإني ثابت على الإسلام والمصابرة. فإن قلت ظاهر الآية يدل على أمر الكفار بالإقامة على ما هم عليه من الكفر وذلك لا يجوز. قلت : معنى هذا الأمر الوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه من الكفر فكأنه قال أقيموا على ما أنتم عليه من الكفر إن رضيتم لأنفسكم بالعذاب الدائم فهو كقوله تعالى : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ففيه تفويض أمر العمل إليهم على سبيل الزجر والتهديد وليس فيه إطلاق لهم في عمل ما أرادوه من الكفر والمعاصي. وقوله تعالى : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني لمن العاقبة المحمودة لنا أو لكم. وقيل معناه فسوف تعلمون عند نزول العذاب بكم أينا كان على الحق في عمله نحن أم أنتم مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ يعني فسوف تعلمون غدا القيامة لمن تكون عاقبة الدار وهي الجنة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ قال ابن عباس : معناه أنه لا يسعد من كفر بي وأشرك. ثم في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها محكمة وهذا على قول من يقول إن المراد بقوله اعملوا على مكانتكم الوعيد التهديد. والقول الثاني : أنها منسوخة بآية السيف وهذا على قول من يقول إن المراد بها ترك القتال. قوله تعالى : وَجَعَلُوا للّه مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً الآية لما بين اللّه عز وجل قبح طريقه الكفار وما كانوا عليه من إنكار البعث وغير ذلك عقبه بذكر أنواع من جهالاتهم وأحكامهم الفاسدة تنبيها على ضعف عقولهم وفساد ما كانوا عليه في الجاهلية فقال تعالى : وَجَعَلُوا للّه مِمَّا ذَرَأَ يعني مما خلق من الحرث يعني الزرع والثمر والأنعام ، يعني ومن الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم نصيبا يعني قسما وجزءا. قال المفسرون : كان المشركون في الجاهلية يجعلون للّه من حروثهم وثمارهم وأنعامهم وسائر أموالهم نصيبا وللأصنام نصيبا فما جعلوه من ذلك للّه صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه عليها وعلى خدمتها فإن سقط شيء مما جعلوه للّه في نصيب الأوثان تركوه ، وقالوا : إن اللّه غني عن هذا وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه للّه ردوه إلى الأوثان. وقالوا : إنها محتاجة إليه. وكانوا إذا هلك شيء مما جعلوه للّه لم يبالوا به وإذا انتقص شيء مما جعلوه للأوثان جبروه مما جعلوه للّه فذلك قوله : وَجَعَلُوا للّه مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً وفيه اختصار تقديره وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا وللأصنام نصيبا فَقالُوا هذا للّه بِزَعْمِهِمْ يعني قولهم الذي هو بغير حقيقة لأن معنى زعم حكاية قول يكون مظنة الكذب ولذلك لا يجيء إلا في موضع ذم لقائليه وإنما نسبوا إلى الكذب في قولهم هذا اللّه بزعمهم وإن كانت الأشياء كلها للّه لإضافتهم نصيب الأصنام مع نصيب اللّه وهو قولهم : وَهذا لِشُرَكائِنا يعني الأصنام وإنما سموا الأصنام شركاء لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها : فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ يعني وما جعلوا لها من الحرث والأنعام فَلا يَصِلُ إِلَى اللّه يعني فلا يعطونه المساكين ولا ينفقونه على الضيفان وَما كانَ للّه فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ والمعنى أنهم كانوا يقرون ما جعلوه للأصنام مما جعلوه للّه ولا يقرون ما جعلوه للّه مما جعلوه للأصنام ، وقال قتادة : كانوا إذا أصابتهم سنة قحط وشدة استعانوا بما جعلوه للّه وأكلوا منه ووفروا مما جعلوه لشركائهم ولم يأكلوا منه شيئا. وقال الحسن والسدي : كانوا إذا هلك ما جعلوا لشركائهم أخذوا بدله مما جعلوه للّه ولا يفعلون ذلك فيما جعلوه لشركائهم فلذلك ذمهم اللّه تعالى فقال : ساءَ ما يَحْكُمُونَ يعني : بئس ما يحكمون ويقضون وذلك أنهم رجحوا جانب الأصنام على جانب اللّه تعالى في الرعاية والحفظ وهذا سفه منهم. وقيل : إن الأشياء كلها للّه عز وجل وهو خلقها فلما جعلوا للأصنام جزءا من المال وهي لا تملك ولا تخلق ولا تضر ولا تنفع نسبوا إلى الإساءة في الحكم والمقصود من ذلك بيان ما كانوا عليه في الجاهلية من هذه الأحكام الفاسدة التي لم يرد بها شرع ولا نص ولا يحسنها عقل. قوله عز وجل : وَكَذلِكَ عطف على قوله وَجَعَلُوا للّه مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً يعني كما فعلوا ذلك جهلا منهم كذلك زين لكثير منهم قتل أولادهم شركاؤهم. والمعنى أن جعلهم للّه نصيبا من أموالهم ولشركائهم نصيبا في غاية الجهل بمعرفة الخالق المنعم لأنهم جعلوا الأصنام مثله في استحقاق النصيب وكذلك إقدامهم على قتل أولادهم في نهاية الجهالة أيضا فكأنه قال ومثل ذلك الذي فعلوه في القسم جهلا وخطأ وضلالا كذلك زَيَّنَ يعني حسّن لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ يعني به وأد البنات أحياء مخافة الفقر والعيلة شُرَكاؤُهُمْ يعني شياطينهم أمروهم أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر وسميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم فيما أمروهم به من معصية اللّه وقتل الأولاد فأشركوهم مع اللّه في وجوب طاعتهم وأضيف الشركاء إلى المشركين لأنهم أطاعوهم واتخذوهم أربابا ، وقال الكلبي : شركاؤهم سدنة آلهتهم يعني خدامها وهم الذين كانوا يزينون ويحسنون للكفار قتل الأولاد وكان الرجل في الجاهلية يقوم فيحلف لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن آخرهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد اللّه فعلى هذا القول ، الشركاء هم السدنة وخدام الأصنام سموا شركاء لأنهم أشركوهم في الطاعة لِيُرْدُوهُمْ يعني ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به. والإرداء في اللغة : الإهلاك. قال ابن عباس : ليردوهم في النار وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ يعني وليخلطوا عليهم دينهم. قال ابن عباس : ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكانوا على دين إسماعيل عليه السلام فرجعوا عنه بتلبيس الشياطين ، وإنما فعلوا ذلك ليزيلهم عن الدين الحق الذي كان عليه إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام فوضعوا لهم هذه الأوضاع الفاسدة وزينوها لهم وَلَوْ شاءَ اللّه ما فَعَلُوهُ يعني ولو شاء اللّه لعصمهم من ذلك الفعل القبيح الذي زين لهم من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد أخبر اللّه عز وجلّ أن جميع الأشياء بمشيئته وإرادته إذ لو لم يشأ ما فعلوا ذلك فَذَرْهُمْ يعني فاتركهم يا محمد وَما يَفْتَرُونَ يعني وما يختلقون من الكذب على اللّه فإن اللّه لهم بالمرصاد. وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّه عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) |
﴿ ١٣٧ ﴾