١٤٧١٤٨فَإِنْ كَذَّبُوكَ يعني فإن كذبك اليهود يا محمد فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم وأحللنا لهم مما بينّاه في هذه الآية المتقدمة فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ يعني بتأخير العقوبة عنكم فإن رحمته تسع المسيء والمحسن فلا يعجل بالعقوبة على من كفر به أو عصاه وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ يعني ولا يرد عذابه ونقمته إذا جاء وقتهما عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك باللّه وتحريم ما لم يحرمه اللّه أخبر اللّه تعالى عنهم بما سيقولونه فقال تعالى : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني مشركي قريش والعرب لَوْ شاءَ اللّه ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا يعني من قبل ، قال المفسرون : جعلوا قولهم لو شاء اللّه ما أشركنا حجة على إقامتهم على الكفر والشرك. وقالوا : إن اللّه قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله فلولا أنه رضي ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ يعني ما حرموه من البحائر والسوائب وغير ذلك ، فقال اللّه عز وجل ردا وتكذيبا لهم كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني من كفار الأمم الخالية الذي كانوا قبل قومك كذبوا أنبياءهم وقالوا مثل قول هؤلاء حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا يعني عذابنا. ( (فصل)) استدل القدرية والمعتزلة بهذه الآية فقالوا : إن القوم لما قالوا لو شاء اللّه ما أشركنا كذبهم اللّه ورد عليهم بقوله كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وأيضا فإن اللّه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار صريح مذهب الجبرية وهو قولهم لو شاء اللّه منا أن لا نشرك لم نشرك ولمنعنا عن هذا الكفر وحيث لم يمنعنا عنه ثبت أنه مريد له وإذا أراده منا امتنع تركه منا وأجيب عن هذا بأن اللّه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا لو شاء اللّه ما أشركنا ثم ذكر عقيبة كذلك كذب الذين من قبلهم وهذا التكذيب ليس هو في قولهم لو شاء اللّه ما أشركنا ، بل ذلك القول حق وصدق ولكن الكذب في قولهم إن اللّه أمرنا به ورضي ما نحن عليه كما أخبر عنهم في سورة الأعراف وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّه أَمَرَنا بِها فرد اللّه تعالى عليهم بقوله قُلْ إِنَّ اللّه لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ والدليل أن التكذيب في قولهم إن اللّه أمرنا بهذا ورضيه منا لا في قولهم لو شاء اللّه ما أشركنا قوله كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بالتشديد ولو كان خبرا من اللّه عن كذبهم في قولهم لو شاء اللّه ما أشركنا لقال كذلك كذب الذين من قبلهم بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب وقال الحسن بن الفضل : لو قالوا هذه المقالة تعظيما للّه وإجلالا له ومعرفة بحقه وبما يقولون لما عابهم بذلك ، ولكنهم قالوا هذه المقالة تكذيبا وجدلا من غير معرفة باللّه وبما يقولون. وقيل في معنى الآية : إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة وهو قوله : لَوْ شاءَ اللّه ما أَشْرَكْنا إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لهم في ترك الإيمان والرد عليهم في ذلك أن أمر اللّه بمعزل عن مشيئته وإرادته فإن اللّه تعالى مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد ، فعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمر بالإيمان ، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. فالحاصل أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة اللّه تعالى في شركهم وكفرهم ، فأخبر اللّه تعالى أن هذا التمسك فاسد باطل فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة للّه تعالى في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام واللّه أعلم. وقوله تعالى : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لو شاء اللّه ما أشركنا ولكنه رضي ما نحن عليه من الشرك هل عندكم يعني بدعواكم ما تدعون من علم يعني من حجة وكتاب يوجب اليقين من العلم فَتُخْرِجُوهُ لَنا يعني فتظهروا ذلك العلم لنا وتبينوه كما بينّا لكم خطأ قولكم وفعلكم وتناقض ذلك واستحالته في العقول إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني فيما أنتم عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرمه اللّه عليكم وتحسبون أنكم على حق وإنما هو باطل وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ يعني وما أنتم في ذلك كله إلا تكذبون وتقولون على اللّه الباطل. قُلْ فَللّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّه حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّه إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) |
﴿ ١٤٧ ﴾