١٤٩

١٥٠

١٥١

وقوله تعالى : قُلْ فَللّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ يعني : قل يا محمد لهؤلاء المشركين حين عجزوا عن إظهار علم اللّه أو حجة لهم فللّه الحجة البالغة يعني التامة على خلقه بإنزال الكتاب وإرسال الرسل. قال الربيع بن أنس : لا حجة لأحد عصى اللّه أو أشرك به على اللّه ولكن للّه الحجة البالغة على عباده فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يعني فلو شاء اللّه لوفقكم أجمعين للّهداية ولكنه لم يشأ ذلك وفيه دليل على أنه تعالى لم يشأ إيمان الكافر ولو شاء لهداه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ يعني هاتوا وادعوا شهداءكم. وهلم كلمة دعوة إلى الشيء يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والذكر والأنثى وفيها لغة أخرى يقال للواحد هلم وللاثنين هلما

وللجمع هلموا وللأنثى هلمي واللغة الأولى أفصح أَنَّ اللّه حَرَّمَ هذا وهذا تنبيه من اللّه باستدعاء الشهود من الكافرين على تحريم ما حرموه على أنفسهم وقالوا إن اللّه أمرنا به ليظهر أن لا شاهد لهم على ذلك وإنما اختلقوه من عند أنفسهم فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وهذا تنبيه أيضا على كونهم كاذبين في شهادتهم فلا تشهد أنت يا محمد معهم لأنهم في شهادتهم كاذبون وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني إن وقع منهم شهادة فإنما هي باتباع الهوى فلا تتبع أنت يا محمد أهواءهم ولكن اتبع ما أوحي إليك من كتابي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني يشركون.

قوله عز وجل : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ لما بين اللّه تعالى فساد مقالة الكفار فيما زعموا أن اللّه أمرهم بتحريم ما حرموه على أنفسهم فكأنهم سألوا وقالوا : أي شيء حرم اللّه فأمر اللّه عز وجل نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم تعالوا تعال من الخاص الذي صار عاما وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمّ.

وقيل أصله أن تدعو الإنسان إلى مكان مرتفع وهو من العلو وهو ارتفاع المنزلة فكأنه دعاه إلى ما فيه رفعة وشرف ثم كثر في الاستعمال ، والمعنى : تعالوا وهلموا أيها القوم أتل عليكم يعني أقرأ ما حرم ربكم عليكم يعني الذي حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا شك فيه ولا ظنا ولا كذبا كما تزعمون أنتم بل هو وحي أوحاه اللّه إليّ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً.

فإن قلت : ترك الإشراك واجب فما معنى قوله أن لا تشركوا به شيئا لأنه كالتفصيل لما أجمله فيقوله حرم ربكم عليكم وذلك لا يجوز.

قلت الجواب عنه من وجوه :

الوجه

الأول : أن يكون موضع أن رفع معناه هو أن لا تشركوا له.

الوجه الثاني : أن يكون محل النصب ، واختلفوا في وجه انتصابه فقيل معناه حرم عليكم أن تشركوا وتكون لا صلة.

وقيل : إن حرف لا على أصلها ويكون المعنى : أتل عليكم تحريم الشرك أي لا تشركوا ويكون المعنى أوصيكم أن لا تشركوا لأن قوله وبالوالدين إحسانا محمول على : أوصيكم بالوالدين إحسانا.

الوجه الثالث : أن يكون الكلام قد تم عند قوله حرم ربكم ، ثم قال : عليكم أن لا تشركوا على الإغراء أو بمعنى فرض عليكم أن لا تشركوا به شيئا ومعنى هذا الإشراك الذي حرمه اللّه ونهى عنه هو أن يجعل اللّه شريكه من خلقه أو يطيع مخلوقا في معصية الخالق أو يريد بعبادته رياء وسمعة ومنه قوله : وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

وقوله عز وجل : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي : وفرض عليكم ووصاكم بالوالدين إحسانا وإنما ثنى بالوصية بالإحسان إلى الوالدين لأن أعظم النعم على الإنسان نعمة اللّه لأنه هو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود وخلقه وأوجده بعد أن لم يكن شيئا ثم بعد نعمة اللّه نعمة الوالدين لأنهما السبب في وجود الإنسان ولما لهما عليه من حق التربية والشفقة والحفظ من المهالك في حال صغره وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ يعني من خوف الفقر ، والإملاق : الإقتار. والمراد بالقتل ، وأد البنات وهن أحياء فكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك وحرمه عليهم نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ يعني لا تئدوا بناتكم خوف العيلة والفقر فإني رازقكم وإياهم لأن اللّه تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد وجب على الوالد القيام بحق الولد وتربيته والاتكال في أمر الرزق على اللّه عز وجل : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ يعني الزنا ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ يعني علانيته وسره وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر فحرم اللّه تعالى الزنا في السر والعلانية

وقيل

إن الأولى حمل لفظ الفواحش على العموم في جميع الفواحش المحرمات والمنهيات فيدخل فيه الزنا وغيره لأن المعنى الموجب لهذا النهي هو كونه فاحشة فحمل اللفظ على العموم أولى من تخصيصه بنوع من الفواحش ، وأيضا فإن السبب إذا كان خاصا لا يمنع من حمل اللفظ على العموم وفي قوله ما ظهر منها وما بطن دقيقة وهي أن الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر ولم يحترز منها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية اللّه وطاعته فيما أمرها به أو نهى عنه ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم ومن كان كذلك استحق العقاب ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا لأجل خوف اللّه وتعظيما لأمره استوجب رضوان اللّه وثوابه وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّه إِلَّا بِالْحَقِّ حرم اللّه تعالى قتل النفس إلا بالحق وقتها من جملة الفواحش المتقدم ذكرها في

قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ وإنما أفرد قتل النفس بالذكر تعظيما لأمر القتل وإنه من أعظم الفواحش والكبائر ،

وقيل : إنما أفرده بالذكر لأنه تعالى أراد أن يستثني منه ولا يمكن ذلك الاستثناء من جملة الفواحش إلا بالإفراد فلذلك فقال : لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّه إِلَّا بِالْحَقِّ وهي التي أبيح قتلها من ردة أو قصاص أو زنا بعد إحصان وهو الذي يوجب الرجم.

(ق) عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة).

وقوله تعالى : ذلِكُمْ يعني ما ذكر من الأوامر والنواهي المحرمات وَصَّاكُمْ بِهِ يعني أمركم به وأوجبه عليكم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني لكي تفهموا ما في هذه التكاليف من الفوائد والمنافع فتعملوا بها.

قوله تعالى :

وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللّه أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)

﴿ ١٥٠