٣٥

٣٦

يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّه اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللّه يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)

وقوله تعالى : يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها يعني الكنوز فتدخل النار فيوقد عليها حتى تبيض من شدة الحرارة فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ يعني الكنوز جباه كانزيها وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ قال ابن عباس : لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته. قال بعض العلماء : إنما خص هذه الأعضاء ، بالكي من بين سائر الأعضاء لأن الغني صاحب المال إذا أتاه السائل فطلب منه شيئا تبدو منه آثار الكراهة والمنع فعند ذلك يقطب وجهه ويكلح وتجتمع أسارير وجهه فيتجعد جبينه ثم إن كرر السائل الطلب نأى بجانبه عنه ومال عن جهته وتركه جانبا ثم إن كرر الطلب وألح في السؤال ولاه ظهره وأعرض عنه واستقبل جهة أخرى وهي النهاية في الرد والغاية في المنع الدال على كراهية الإعطاء والبذل وهذا دأب ما نعى البر والإحسان. وعادة البخلاء فلذلك خص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي يوم القيامة.

وقوله سبحانه وتعالى : هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أي يقال لهم ذلك يوم القيامة فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ أي فذوقوا عذاب ما كنزتم في الدنيا من الأموال ومنعتم حق اللّه منها

(ق) عن الأحنف بن قيس قال : قدمت

المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الثياب خشن الجسد خشن الوجه فقام عليهم فقال بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل قال فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا قال فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم فقال : إن هؤلاء لا يعقلون شيئا هذا لفظ مسلم وفيه زيادة لم أذكرها. وزاد البخاري

قلت : (١) من هذا؟ قالوا : أبا ذر. قال : فقمت إليه فقلت ما شيء سمعتك تقول قبيل فقال ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم صلى اللّه عليه وسلم.

قوله عز وجل إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّه اثْنا عَشَرَ شَهْراً هي : المحرم ، وصفر ، وربيع الأول ، وربيع الآخر ، وجمادى الأولى ، وجمادى الآخرة ، ورجب ، وشعبان ، ورمضان ، وشوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، وهذه شهور السنة القمرية التي هي مبنية على سير القمر في المنازل وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم وأيام هذه الشهور ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك دورة تامة وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الحج والصوم تارة في الشتاء وتارة في الصيف. قال المفسرون : وسبب نزول هذه الآية من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية فكان يقع حجهم تارة في وقته وتارة في المحرم وتارة في صفر وتارة في غيره من الشهور فأعلم اللّه عز وجل أن عدة الشهور سنة المسلمين التي يعتدون بها اثنا عشر شهرا على منازل القمر وسيره فيها وهو قوله تبارك وتعالى إن عدة الشهور عند اللّه يعني في علمه وحكمه اثنا عشر شهرا فِي كِتابِ اللّه يعني في اللوح المحفوظ الذي كتب اللّه فيه جميع أحوال الخلق وما يأتون وما يذرون.

وقيل : أراد بكتاب اللّه القرآن لأن فيه آيات تدل على الحساب ومنازل القمر

وقيل أراد بكتاب اللّه الحكم الذي أوجبه وأمر عباده بالأخذ به يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني أن هذا الحكم حكم به وقضاه يوم خلق السموات والأرض أن السنة اثنا عشر شهرا مِنْها يعني من الشهور أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وهي رجب فرد وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة متوالية وإنما سميت حرما لأن العرب في الجاهلية كانت تعظمها وتحرم فيها القتال حتى لو أن أحدهم لقي قاتل أبيه وابنه وأخيه في هذه الأربعة الأشهر لم يهجه ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما ولأن الحسنات والطاعات فيها تتضاعف وكذلك السيئات أيضا أشد من غيرها فلا يجوز انتهاك حرمة الأشهر الحرم ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني ذلك الحساب المستقيم والعدد الصحيح المستوي فالدين هنا بمعنى الحساب ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : الكيس من دان نفسه. يعني : حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت.

وقيل : أراد بالدين القيم الحكم الذي لا يغير ولا يبدل.

والقيم هنا : بمعنى الدائم الذي لا يزول. فالواجب على المسلمين الأخذ بهذا الحساب والعدد في صومهم وحجهم وأعيادهم وبياعاتهم وأجل ديونهم وغير ذلك من سائر أحكام المسلمين المرتبة على الشهور

(ق) عن أبي بكر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أي شهر هذا قلنا اللّه ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذا الحجة قلنا بلى قال أي بلد هذا قلنا اللّه ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس البلد الحرام؟ قلنا : بلى. قال : فأي يوم هذا؟

قلنا : اللّه ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال : أليس يوم النحر. قلنا : بلى. قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم

________

(١) قوله وزاد البخاري إلخ ، هذه الزيادة لمسلم لا للبخاري ا ه من هامش.

فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ثم قال : ألا هل بلغت ألا هل بلغت قلنا نعم قال : اللّهم اشهد.

وقوله تعالى : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ قيل : الكناية في فيهن ترجع إلى جميع الأشهر أي لا تظلموا أنفسكم في جميع أشهر السنة بفعل المعاصي وترك الطاعات لأن المقصود منع الإنسان من الإقدام على المعاصي والفساد مطلقا في جميع الأوقات إلى الممات.

وقيل : إن الكناية ترجع إلى الأشهر الحرم وهو قول أكثر المفسرين. وقال قتادة : العمل الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم والظلم فيهن أعظم منه فيما سواهن وإن كان الظلم على كل حال عظيما. وقال ابن عباس : لا تظلموا فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن وقال محمد بن إسحاق بن يسار : لا تجعلوا حلالها حراما ولا حرامها حلالا كفعل أهل الشرك وهو النسيء.

وقيل : إن الأنفس مجبولة بطبعها على الظلم والفساد والامتناع عنه على الإطلاق شاق على النفس لا جرم أن اللّه خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام ليمتنع الإنسان في تلك الأوقات من فعل الظلم والقبائح والمنكرات فربما تركها في باقي الأوقات فتصير هذه الأوقات الشريفة والأشهر المحرمة المعظمة سببا لترك الظلم وفعل المعاصي في غيرها من الأشهر فهذا وجه الحكمة في تخصيص بعض الأشهر دون بعض بمزيد التشريف والتعظيم وكذلك الأمكنة أيضا. و

قوله سبحانه وتعالى : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً يعني قاتلوا المشركين بأجمعكم مجتمعين على قتالهم كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة والمعنى تعاونوا وتناصروا على قتالهم ولا تتخاذلوا ولا تتدابروا ولا تفشلوا ولا تجبنوا عن قتالهم وكونوا عباد اللّه مجتمعين متوافقين في مقاتلة أعدائكم من المشركين واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم فقال قوم كان كبيرا حراما ثم نسخ بقوله : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً يعني في الأشهر الحرم وفي غيرهن وهذا قول قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري.

قالوا : لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. وقال آخرون : إنه غير منسوخ. قال ابن جريج : حلف باللّه عطاء بن أبي رباح ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم وما نسخت إلا أن يقاتلوا فيها وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه مَعَ الْمُتَّقِينَ يعني بالنصر والمعونة على أعدائه

قوله سبحانه وتعالى :

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللّه فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللّه زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)

﴿ ٣٦