٣٨

٤٠

قوله عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّه اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ نزلت هذه الآية في الحث على غزوة تبوك وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزو الروم وكان ذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر حين طابت الظلال ولم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز وعددا كثيرا وجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم يعني قال لكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : انفروا في سبيل اللّه ، أي اخرجوا إلى الجهاد. يقال : استنفر الإمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : (و إذا استنفرتم فانفروا).

والإثم النفير اثاقلتم أي تثاقلتم وتباطأتم عن الخروج إلى الغزو إلى الأرض يعني لزمتم أرضكم ومساكنكم وإنما استثقل ذلك الغزو لشدة الزمان وضيق الوقت وشدة الحر وبعد المسافة والحاجة إلى كثرة الاستعداد من العدد والزاد وكان ذلك الوقت وقت إدراك ثمار المدينة وطيب ظلالها وكان العدو كثيرا فاستثقل الناس تلك الغزوة فعاتبهم اللّه تعالى بقوله : أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ يعني أرضيتم بخفض العيش وزهرة الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ يعني أن لذات الدنيا ونعيمها فان زائل ينفد عن قليل ونعيم الآخرة باق على الأبد فلهذا السبب كان متاع الدنيا قليلا بالنسبة إلى نعيم الآخرة وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأن اللّه سبحانه وتعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر فلو لم يكن الجهاد واجبا لما عاتبهم على ذلك التثاقل ويؤكد هذا الوعيد المذكور الآية الآتية وهي

قوله تعالى :

إِلَّا تَنْفِرُوا يعني إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى ما استنفركم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليه : يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني في الآخرة لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة.

وقيل : إن المراد به احتباس المطر في الدنيا. قال نجدة بن نفيع : سألت ابن عباس عن هذه الآية ، فقال : استنفر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيا من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك اللّه تعالى عنهم المطر فكان ذلك عذابهم وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يعني خيرا منكم وأطوع.

قال سعيد بن جبير : هم أبناء فارس.

وقيل : هم أهل اليمن نبه سبحانه وتعالى على أنه قد تكفل بنصرة نبيه صلى اللّه عليه وسلم وإعزاز دينه فإن سارعوا معه إلى الخروج إلى حيث استنفروا حصلت النصرة بهم ووقع أجرهم على اللّه عز وجل وإن تثاقلوا وتخلفوا عنه حصلت النصرة بغيرهم وحصلت العتبى لهم لئلا يتوهموا أن إعزاز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونصرته لا تحصل إلا بهم وهو

قوله تعالى : وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً قيل : الضمير راجع إلى اللّه تعالى يعني ولا تضروا اللّه شيئا لأنه غني عن العالمين وإنما تضرون أنفسكم بترككم الجهاد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

وقيل : الضمير راجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعني : ولا تضروا محمدا صلى اللّه عليه وسلم شيئا فإن اللّه ناصره على أعدائه ولا يخذله وَاللّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني أنه تعالى قادر على كل شيء فهو ينصر نبيه ويعز دينه قال الحسن وعكرمة : هذه الآية منسوخة بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقال الجمهور هذه الآية محكمة لأنها خطاب لقوم استنفرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم ينفروا كما نقل عن ابن عباس وعلى هذا التقدير فلا نسخ.

قوله عز وجل : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّه يعني إلا تنصروا محمدا صلى اللّه عليه وسلم أيها المؤمنون هذا خطاب لمن تثاقل عن الخروج معه إلى تبوك فأعلم اللّه عز وجل أنه هو المتكفل بنصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإعزاز دينه وإعلاء كلمته أعانوه أو لم يعينوه وإنه قد نصره عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد

إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أنه تعالى نصره في الوقت الذي أخرجه فيه كفار مكة من مكة حين مكروا به وأرادوا قتله ثانِيَ اثْنَيْنِ يعني هو واحد اثنين وهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر إِذْ هُما فِي الْغارِ يعني إذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر في الغار والغار نقب عظيم يكون في الجبل وهذا الغار في جبل ثور وهو قريب من مكة إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ يعني يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر الصديق لا تحزن وذلك أن أبا بكر خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهم فجزع من ذلك فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تحزن إِنَّ اللّه مَعَنا يعني بالنصر والمعونة قال الشعبي : عاتب اللّه عز وجل أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر وقال الحسن بن الفضل : من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا ولا يكون كافرا.

عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر : أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار. أخرجه الترمذي. وقال : حديث حسن غريب

(ق) عن أبي بكر الصديق قال : نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت يا رسول اللّه لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما. قال الشيخ محيي الدين النووي معناه : ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد وهو داخل في

قوله سبحانه وتعالى أن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وفيه بيان عظيم على توكل النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى في هذا المقام وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجل مناقبه والفضيلة من أوجه منها اللفظ الدال على أن اللّه ثالثهما ومنها بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورئاسته في طاعة اللّه وطاعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم وملازمته النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعاداة الناس فيها ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك.

روي عن عمر بن الخطاب أنه ذكر عنده أبو بكر فقال : وددت أن عملي كله مثل عمله يوما واحدا من أيامه وليلة واحدة من لياليه أما فليلته ليلة سار مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الغار فلما انتهيا إليه قال واللّه لا تدخله حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخله فكنسه ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسدها به وبقي منهما ثقبان فألقمهما رجليه ثم قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ادخل فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووضع رأسه في حجره ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : مالك يا أبا بكر فقال : لدغت فداك أبي وأمي فتفل عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذهب ما يجده ثم انتقض عليه وكان سبب موته

وأما يومه فلما قبض صلى اللّه عليه وسلم ارتدت العرب ، وقالوا : لا نؤدي الزكاة فقال لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول اللّه تألف الناس وارفق بهم. قال : لي أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام أنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي أخرجه في جامع الأصول ولم يرقم عليه علامة لأحد قال البغوي وروي أنه حين انطلق مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه. فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مالك يا أبا بكر؟

فقال : أذكر الطلب فأمشي خلفك واذكر الرصد فأمشي بين يديك فلما انتهيا إلى الغار قال : مكانك يا رسول اللّه حتى أستبرئ الغار فدخل فاستبرأه ثم قال انزل يا رسول اللّه فنزل وقال له : إن أقتل فأنا رجل واحد من المسلمين وإن قتلت هلكت الأمة.

( (ذكر سياق حديث الهجرة وهو من أفراد البخاري)) عن عائشة قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيا فلما ابتلي المسلمون ، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال : أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في

الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصلالرحم ويحمل الكل ويقري الضيق ويعين على نوائب الحق فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة

وفي رواية فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذ عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.

قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر ، فقال : قد علمت الذي عاهدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك

وإما أن ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر : فإني أراد إليك جوارك وأرضى بجوار اللّه والنبي صلى اللّه عليه وسلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم للمسلمين : إني رأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر هو الخبط أربعة أشهر قال ابن شهاب : قال عروة قالت عائشة : فبينا نحن جلوس يوما في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر :

فداء له أبي وأمي واللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاستأذن ، فأذن له فدخل فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر : اخرج من عندك. فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه. قال : فإني قد أذن لي في الخروج قال أبو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نعم. قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه إحدى راحلتي هاتين فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بالثمن. قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما صبح ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق السواحل

وفي رواية طريق الساحل.

قال ابن شهاب : فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول : جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو

أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس.

فقال : يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له :

إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكبر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ الأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال أخف عنا ما استطعت فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشأم فكسا الزبير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على ظهر أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم

السارب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه قال فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار لمن لم ير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء اللّه المنزل ثم دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقال لا بل نهبه لك يا رسول اللّه فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا وطفق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول :

هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر

ويقول : اللّهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة ، فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب : ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت أخرجه البخاري بطوله.

( (شرح غريب ألفاظ الحديث)) قولها : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ، يعني ، أنهما كانا ينقادان إلى الطاعة ، وبرك الغماد بفتح الباء من برك وكسر الغين المعجمة اسم موضع بينه وبين مكة خمس ليال مما يلي ساحل البحر إلى المدينة من بلاد غفار.

وقيل : هو قليب ماء لبني ثعلبة. قوله : تكسب المعدوم فيه قولان :

أحدهما : أنه لقوة سعده وحظه من

الدنيا لا يتعذر عليه كسب كل شيء حتى المعدوم الذي يتعذر كسبه على غيره.

والقول الثاني : إنه يملك الشيء المعدوم المتعذر لمن لا يقدر عليه ففيه وصفة بالإحسان والكرم والكل ما يثقل حمله من حقوق الناس وصلة الأرحام والقيام بأمر العيال وإقراء الضيف ونوائب الحق ما ينوب الإنسان من المغارم وقضاء الحقوق لمن يقصده أنا لك جار أي حام وناصر ومدافع عنك والاستعلان إظهار المخفي.

وقوله : فينقذف النساء عليه يعني يزدحمن عليه والذمة العهد والأمان وإخفاؤها نقضها. واللابة : الجبل. والحرة :

الأرض التي تعلوها حجارة سود. يقال : افعل الشيء على رسلك بكسر الراء أي على هينتك. والراحلة : البعير القوي على الحمل والسير ، والظهيرة : وقت شدة الحر والنطاق : حبل أو نحوه تشد به المرأة وسطها وترفع ثوبها من تحته فتعطف طرفا من أعلاه إلى أسفله لئلا يصل إلى الأرض. وقولها : ثقف لقن. يقال : ثقف الرجل ثقافة إذا صار حاذقا فطنا واللقن السريع الفهم. والإدلاج : بتخفيف الدال سير أول الليل وبتشديدها سير آخره والمنحة الشاة ذات اللبن والرسل بكسر الراء وسكون السين هو اللبن يقال : نعق الراعي بالغنم إذا دعاها لتجتمع إليه.

والغلس : ظلام آخر الليل. والخريت : تقدم شرحه في الحديث وهو الماهر بالهداية وأراد به هداية الطريق فهو الدليل. وقد غمس حلفا يقال : غمس فلان حلفا في آل فلان إذا أخذ بنصيب من عهدهم وحلفهم والأسودة الأشخاص. والأكمة : التل المرتفع من الأرض. يقال : قرب الفرس يقرب تقريبا إذا عدا عدوا دون الإسراع والكناية هي الجعبة التي تجعل فيها السهام والأزلام القداح التي كانوا يستقسمون بها عند طلب الحوائج كالفأل والعثان الغبار. يقال : ما رزأت فلانا شيئا أي ما أصبت منه شيئا والمراد أنهم لم يأخذوا منه شيئا وقوله أوفى أي أشرف وأطلع.

والأطم : البناء المرتفع كالحصن ،

وقوله : مبيضين هو بكسر الياء أي : هم ذو ثياب بيض والمربد الموضع يوضع فيه التمر كالبيدر.

وقوله : هذا الحمال هو بالحاء المهملة يعني هذا الحمل والمحمول من اللبن أبر عند اللّه وأطهر وأبقى ذخرا وأدوم منفعة في الآخرة لأحمال خيبر يعني ما يحمل من خيبر من التمر والزبيب والطعام المحمول منها. والمعنى : أن ذلك الحمل الذي نحمله من اللبن لأجل عمارة المسجد أفضل عند اللّه مما يحمل من خيبر وقد روى هذا الجمال بالجيم من التجمل ، والرواية الأولى أشهر وأكثر واللّه أعلم قال الزهري : لما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل اللّه سبحانه وتعالى زوجا من حمام حتى باضتا في أسفل النقب ونسجت العنكبوت بيتا.

وقيل : أتت يمامة على فم الغار وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (اللّهم أعم أبصارهم) فجعل الطلب يضربون يمينا وشمالا حول الغار يقولون لو دخلا هذا الغار لتكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت ووجدت في بعض التفاسير شعرا وقد نسب إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه وهو قوله :

قال النبي ولم يجزع يوقرني ونحن في سدف في ظلمة الغار

لا تخش شيئا فإن اللّه ثالثنا وقد تكفل لي منه بإظهار

وإنما كيد من تخشى بوادره كيد الشياطين قد كادت لكفار

واللّه مهلكهم بما صنعوا وجاعل المنتهي منهم طم إلى النار

وقوله سبحانه وتعالى : فَأَنْزَلَ اللّه سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ يعني فأنزل اللّه الطمأنينة والسكون على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال ابن عباس عن أبي بكر لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كانت عليه السكينة من قبل ذلك.

( (فصل في الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على فضل سيدي أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه)) منها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما اختفى في الغار من الكفار كان مطلعا على باطن أبي بكر الصديق في سره وإعلانه

وأنه من المؤمنين الصادقين الصديقين المخلصين فاختار صحبته في ذلك المكان المخوف لعمله بحاله. ومنها :

أن هذه الهجرة كانت بإذن اللّه فخصّ اللّه بصحبة نبيه صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر دون غيره من أهله وعشيرته وهذا التخصيص يدل على شرف أبي بكر وفضله على غيره. ومنها : أن اللّه سبحانه وتعالى عاتب أهل الأرض بقوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره اللّه سوى أبي بكر الصديق وهذا دليل على فضله. ومنها : أن سيدنا أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه لم يتخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفر ولا حضر بل كان ملازما له وهذا دليل على صدق محبته وصحة صحبته له ومنها مؤانسته للنبي صلى اللّه عليه وسلم في الغار وبذل نفسه له وفي هذا دليل على فضله. ومنها : أن اللّه سبحانه وتعالى جعله ثاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ب

قوله سبحانه وتعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار وفي هذا نهاية الفضيلة لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه. وقد ذكر بعض العلماء أن أبا بكر كان ثاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أكثر الأحوال ومنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا الخلق إلى الإيمان باللّه فكان أبو بكر أول من آمن ثم دعا أبو بكر إلى الإيمان باللّه ورسوله فاستجاب له عثمان وطلحة والزبير فآمنوا على يدي أبي بكر ثم حملهم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ومنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يقف في موقف من غزواته إلا وأبو بكر معه في ذلك الموقف ومنه أنه لما مرض صلى اللّه عليه وسلم قام مقامه في الإمامة فكان ثانيه ومنها أنه ثانيه في تربته صلى اللّه عليه وسلم وفي هذا دليل على فضل أبي بكر الصديق ومنها أن اللّه سبحانه وتعالى نص على صحبة أبي بكر دون غيره ب

قوله سبحانه وتعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن ومنها أن اللّه سبحانه وتعالى كان ثالثهما ومن كان اللّه معه دل على فضله وشرفه على غيره ومنها إنزال السكينة على أبي بكر واختصاصه بها دليل على فضله واللّه أعلم.

وقوله سبحانه وتعالى : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها يعني : وأيد النبي صلى اللّه عليه وسلم بإنزال الملائكة ليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته.

وقيل : ألقى الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا وقال مجاهد والكلبي : أعانه بالملائكة يوم بدر فأخبر اللّه سبحانه وتعالى أنه نصره وصرف عنه كيد الأعداء وهو في الغار في حالة القلة والخوف ثم نصره بالملائكة يوم بدر وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى يعني كلمة الشرك فهي سفلى إلى يوم القيامة وَكَلِمَةُ اللّه هِيَ الْعُلْيا وَاللّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال ابن عباس : هي كلمة لا إله إلا اللّه فهي باقية إلى يوم القيامة عالية.

وقيل : إن كلمة الذين كفروا هي ما كانوا قدروها فيما بينهم من الكيد للنبي صلى اللّه عليه وسلم ليقتلوه وكلمة اللّه هي ما وعده من النصر والظفر بهم فكان ما وعد اللّه سبحانه وتعالى حقا وصدقا.

انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّه ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)

﴿ ٣٩