٤٢٤٥لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً فيه إضمار تقديره لو كان ما تدعوهم إليه عرضا يعني غنيمة سهلة قريبة التناول والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها. يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وَسَفَراً قاصِداً يعني سهلا قريبا لَاتَّبَعُوكَ يعني لخرجوا معك وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي المسافة والشقة السفر البعيد ، لأنه يشق على الإنسان سلوكها. ومعنى الآية : لو كان العرض قريبا والغنيمة سهلة والسفر قاصدا لاتبعوك طمعا في تلك المنافع التي تحصل لهم ولكن لما كان السفر بعيدا وكانوا يستعظمون غزو الروم لا جرم أنهم تخلفوا لهذا السبب ثم أخبر اللّه سبحانه وتعالى عنهم أنه إذا رجع النبي عليه السلام من هذا الجهاد يحلفون باللّه وهو قوله تعالى : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّه يعني المنافقين الذين تخلفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الغزوة لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يعني إلى هذه الغزوة يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ يعني بسبب هذه الأيمان الكاذبة والنفاق وفيه دليل على أن الأيمان الكاذبة تهلك صاحبها وَاللّه يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ يعني في أيمانهم وهو قولهم : لو استطعنا لخرجنا معكم لأنهم كانوا مستطيعين الخروج. قوله عز وجل : عَفَا اللّه عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ قال الطبري : هذا عتاب من اللّه عز وجل عاتب اللّه به نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أي في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه من المنافقين حين شخص إلى تبوك لغزو الروم. والمعنى : عفا اللّه عنك يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك. قال عمرو بن ميمون الأودي : اثنان فعلهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يؤمر بشيء فيهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه اللّه كما تسمعون وقال سفيان بن عيينة : انظروا إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب. ( (فصل)) استدل بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنوب من الأنبياء وبيانه من وجهين : أحدهما ، أنه سبحانه وتعالى. قال : عفا اللّه عنك والعفو يستدعي سابقة الذنب الوجه الثاني أنه سبحانه وتعالى قال لم أذنت لهم وهذا استفهام معناه الإنكار. والجواب عن الأول : إنا لا نسلم أن قوله تعالى عفا اللّه عنك يوجب صدور الذنب بل نقول إن ذلك يدل على المبالغة في التعظيم والتوقير فهو كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما له عفا اللّه عنك ما صنعت في أمري رضي اللّه عنك ما جوابك عن كلامي وعافاك اللّه وغفر لك كل هذه الألفاظ في ابتداء الكلام وافتتاحه تدل على تعظيم المخاطب به قال علي بن الجهم يخاطب المتوكل : عفا اللّه عنك إلا حرمة تعود بفضلك أن أبعدا ألم تر عبدا عدا طوره ومولى عفا ورشيدا هدى أقلني أقالك من لم يزل يقيل ويصرف عنك الردى والجواب عن الثاني : أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله لم أذنت لهم الإنكار عليه وبيانه : إما أن يكون قد صدر عنه ذنب في هذه الواقعة أولا فإن كان قد صدر عنه ذنب فذكر الذنب بعد العفو لا يليق. فقوله : عفا اللّه عنك ، يدل على حصول العفو وبعد حصول العفو ، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه وإن لم يكن قد صدر عنه ذنب امتنع الإنكار عليه فثبت بهذا أن الإنكار يمتنع في حقه صلى اللّه عليه وسلم وقال القاضي عياض في كتابه الشفاء في الجواب عن قوله عفا اللّه عنك لم أذنت لهم : أنه أمر لم يتقدم للنبي صلى اللّه عليه وسلم فيه من اللّه تعالى نهي فيعد معصية ولا عده تعالى عليه معصية بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك قال نفطويه : وقد حاشاه للّه من ذلك بل كان مخيرا في أمرين قالوا : وقد كان له أن يفعل ما يشاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي فكيف وقد قال اللّه سبحانه وتعالى له فأذن لمن شئت منهم فلما أذن لهم أعلمه اللّه بما لم يطلع عليه من سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل وليس عفا هنا بمعنى غفر بل كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم عفا اللّه لكم عن صدقة الخيل والرقيق ولم تجب عليهم قط أي يلزمكم ذلك ونحوه للقشيري. قال : وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب قال ومعنى عفا اللّه عنك أي لم يلزمك ذنب. قال الداودي : إنها تكرمة. وقال مكي : هو استفتاح كلام مثل أصلحك اللّه وأعزك وحكى السمرقندي أن معناه عفاك اللّه. وقيل معناه : أدام اللّه لك العفو لم أذنت لهم يعني في التخلف عنك وهذا يحمل على ترك الأولى والأكمل لا سيما وهذه كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا يعني في اعتذارهم وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ يعني فيما يعتذرون به. قال ابن عباس : لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ حتى نزلت براءة. قوله سبحانه وتعالى : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي في أن يجاهدوا وإنما حسن هذا الحذف لظهوره وَاللّه عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ يعني الذين يتقون لمخالفته ويسارعون إلى طاعته إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ يعني في التخلف عن الجهاد معك يا محمد من غير عذر الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهم المنافقون لقوله وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ يعني شكت قلوبهم في الإيمان وإنما أضاف الشك والارتياب إلى القلب لأنه محل المعرفة والإيمان أيضا فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقا فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ يعني أن المنافقين متحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين وقد اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية. فقيل : إنها منسوخة بالآية التي في سورة النور وهي قوله سبحانه وتعالى إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون باللّه ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم وقيل إنها محكمات كلها ووجه الجمع بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا يسارعون إلى طاعة اللّه وجهاد عدوهم من غير استئذان فإذا عرض لأحدهم عذرا استأذن في التخلف فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مخيرا في الإذن لهم بقوله تعالى فأذن لمن شئت منهم وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم اللّه تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر. وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللّه انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّه عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّه وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) |
﴿ ٤٢ ﴾