٥٣٥٥قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً نزلت في الجد بن قيس المنافق وذلك أنه استأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في القعود عنه وقال أنا أعطيكم مالي فأنزل اللّه عز وجل ردا عليه قل أي قل يا محمد لهذا المنافق وأمثاله في النفاق أنفقوا طوعا أو كرها يعني أنفقوا طائعين من قبل أنفسكم أو مكرهين بالإنفاق بإلزام اللّه ورسوله إياكم بالإنفاق لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ لأن هذا الإنفاق إنما وقع لغير اللّه وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه اللّه بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه ثم علل بسبب منع القبول بقوله إِنَّكُمْ أي لأنكم كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ والمراد بالفسق هنا الكفر ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى : وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّه وَبِرَسُولِهِ أي المانع من قبول نفقاتهم هو كفرهم باللّه وبرسوله وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى جمع كسلان يعني متثاقلين في الإتيان إلى الصلاة وذلك لأنهم لا يرجون على فعلها ثوابا ولا يخافون على تركها عقابا فلذلك ذمهم مع فعلها وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ لأنهم كانوا يعتقدون الإنفاق في سبيل اللّه مغرما ومنع ذلك الإنفاق مغنما فَلا تُعْجِبْكَ يا محمد أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ هذا الخطاب وإن كان مختصا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إلا أن المراد به جميع المؤمنين والمعنى فلا تعجبوا بأموال المنافقين وأولادهم والإعجاب السرور بالشيء مع نوع من الافتخار به مع الاعتقاد أنه ليس لغيره مثله وهذا يدل على استغراق النفس بذلك الشيء ويكون سبب انقطاعه عن اللّه عز وجل فينبغي للإنسان أن لا يعجب بشيء من أمور الدنيا ولذاتها فإن العبد إذا كان من اللّه عز وجل في استدراج كثر ماله وولده فيكثر إعجابه بماله وولده فيبطر ويكفر نعم اللّه عليه ولهذا قال سبحانه وتعالى : إِنَّما يُرِيدُ اللّه لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فإن قلت كيف يكون المال والولد عذابا في الدنيا وفيهما اللذة والسرور في الدنيا. قلت : قال مجاهد وقتادة : في الآية تقديم وتأخير وتقديرها فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد اللّه ليعذبهم بها في الآخرة. وقيل : إن سبب كون المال والولد عذابا في الدنيا هو ما يحصل من المتاعب والمشاق في تحصيلهما فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما ويزداد الحزن والغم بسبب المصائب الواقعة فيهما ، فعلى هذا القول ، لا حاجة إلى التقديم والتأخير في نظم الآية وأورد على هذا القول بأن هذا التعذيب حاصل لكل أحد من بني آدم مؤمنهم وكافرهم فما فائدة تخصيص المنافقين بهذا التعذيب في الدنيا وأجيب عن هذا الإيراد بأن المنافقين مخصوصون بزيادة من هذا العذاب وهو أن المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة وإنه يثاب بالمصائب الحاصلة له في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذابا في الدنيا وأما المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له وإنه ليس فيها ثواب فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والشدة والغم والحزن على المال والولد عذابا عليه في الدنيا فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد عذاب على المنافقين في الدنيا دون المؤمنين. وقيل : إن تعذيبهم بهما في الدنيا أخذ الزكاة منهم والنفقة في سبيل اللّه غير مثابين على ذلك وربما قتل الولد في الغزو فلا يثاب الوالد المنافق على قتل ولده وذهاب ماله. وقيل : يعذبهم بالتعب في جمعه وحفظه والكره في إنفاقه والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده ثم يقدم في الآخرة على ملك لا يعذره وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ يعني وتخرج أنفسهم وَهُمْ كافِرُونَ والمعنى أنهم يموتون على الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب الآخرة. وَيَحْلِفُونَ بِاللّه إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) |
﴿ ٥٣ ﴾