٨٦

٨٩

قوله عز وجل : وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يحتمل أن يراد بالسورة بعضها لأن إطلاق لفظ الجمع على البعض جائز ويحتمل أن يراد جميع السورة ، فعلى هذا المراد بالسورة براءة لأنها مشتملة على الأمر بالإيمان والأمر بالجهاد أَنْ أي بأن آمِنُوا بِاللّه وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ.

فإن قلت : كيف يأمرهم بالإيمان مع كونهم مؤمنين فهو من باب تحصيل الحاصل

قلت : معناه الأمر بالدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل.

وقيل : إن الأمر بالإيمان يتوجه على كل أحد في كل ساعة.

وقيل : إن هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون والمعنى أن أخلصوا الإيمان باللّه وجاهدوا مع رسوله وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن الجهاد بغير إيمان لا يفيد أصلا فكأنه قيل للمنافقين : الواجب عليكم أن تؤمنوا باللّه أولا وتجاهدوا مع رسوله ثانيا حتى يفيدكم ذلك الجهاد فائدة يرجع عليكم نفعها في الدنيا والآخرة.

وقوله سبحانه وتعالى : اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ قال ابن عباس : يعني أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة من المال

وقيل : هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم وفي تخصيص أولى الطول بالذكر قولان :

أحدهما أن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد.

والقول الثاني : إنما خص أولي الطول بالذكر لأن العاجز عن السفر والجهاد لا يحتاج إلى الاستئذان وَقالُوا يعني أولي الطول ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ يعني في البيوت مع النساء والصبيان

وقيل مع المرضى والزمنى رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ قيل : الخوالف النساء اللواتي يتخلفن في البيوت فلا يخرجن منها ، والمعنى رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء

وقيل : خوالف جمع خالفة وهم أدنياء الناس وسفلتهم يقال فلان خالفة قومه إذا كان دونهم وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ يعني : وختم على قلوب هؤلاء المنافقين فهم لا يفقهون مراد اللّه في الأمر بالجهاد.

قوله سبحانه وتعالى : لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم يعني الرسول والمؤمنين وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ منافع الدارين النصر والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة

وقيل الحور لقوله فيهن خيرات حسان وهي جمع خيرة تخفيف خيرة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الفائزون بالمطالب.

قوله سبحانه وتعالى : أَعَدَّ اللّه لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ بيان لما لهم من الخيرات الأخروية.

قوله سبحانه وتعالى : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ يعني وجاء المعتذرون من أعراب البوادي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتذرون إليه في التخلف عن الغزو معه. قال الضحاك : هم رهط عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معتذرين إليه دفاعا عن أنفسهم فقالوا يا نبي اللّه إن نحن غزونا معك تغير أعراب طيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قد أنبأني اللّه من أخباركم وسيغنى اللّه عنكم.

وقيل : هم نفر من بني غفار رهط خفاف بن إيماء بن رحضة.

وقيل : هم من أسد وغطفان. وقال ابن

عباس هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وجاء المعذرون : أي المقصرون. يعني : أنهم قصروا ولم يبالغوا فيما اعتذروا به والمعذر من يرى أن له عذرا ولا عذر له.

وقيل : إن الأصل في هذا اللفظ عند النحاة المعتذرون أدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما والاعتذار في كلام العرب على قسمين يقال اعتذر إذا كذب في عذره ومنه

قوله تعالى يعتذرون إليكم فرد اللّه عليهم بقوله قل لا تعتذروا فدل ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه ويقال اعتذر إذا أتى بعذر صحيح ومنه قول لبيد :

ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر.

يعني فقد جاء بعذر صحيح.

وقيل : هو من التعذير الذي هو التقصير. يقال : عذر تعذيرا إذا قصر ولم يبالغ فعلى هذا المعنى ، يحتمل أنهم كانوا صادقين في اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين ومن المفسرين من قال : إنهم كانوا صادقين ، بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعده وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللّه وَرَسُولَهُ فلما فصل بينهم وميزهم عن الكاذبين دلّ ذلك على أنهم ليسوا كاذبين ويروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام ، قال : إن قوما تكلفوا عذرا بباطل فهم الذين عناهم اللّه تعالى بقوله وجاء المعذرون وتخلف آخرون لا لعذر ولا لشبهة عذر جرأة على اللّه تعالى فهم المراد بقوله وقعد الذين كذبوا اللّه ورسوله وهم منافقو الأعراب الذين ما جاءوا وما اعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا اللّه ورسوله يعني في ادعائهم الإيمان سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار وإنما قال منهم لأنه سبحانه وتعالى علم أن منهم من سيؤمن ويخلص في إيمانه فاستثناهم اللّه من المنافقين الذين أصروا على الكفر والنفاق وماتوا عليه.

لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا للّه وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل ٍ وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللّه عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)

﴿ ٨٨