١١٥

وقوله سبحانه وتعالى : وَما كانَ اللّه لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ يعني : وما كان اللّه ليقضي عليكم بالضلال بسبب استغفاركم لموتاكم المشركين بعد أن رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله وذلك أنه لما منع المؤمنين من الاستغفار للمشركين وكانوا قد استغفروا لهم قبل المنع خافوا ما صدر منهم فأعلمهم أن ذلك ليس بضائرهم حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ يعني ما يأتون وما يذرون وهو أن يقدم إليهم النهي عن ذلك الفعل فأما قبل النهي فلا حرج عليهم في فعله

وقيل : إن جماعة من المسلمين كانوا قد ماتوا قبل النهي عن الاستغفار للمشركين فلما منعوا من ذلك وقع في قلوب المؤمنين خوف على من مات على ذلك فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية وبين أنه لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه ويتركوه. وقال مجاهد : بيان اللّه للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة. وقال الضحاك : وما كان اللّه ليعذب قوما حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون. وقال مقاتل والكلبي : هذا في أمر المنسوخ وذلك أن قوما قدموا على النبي صلى اللّه عليه وسلم وأسلموا قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ورجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة إلى الكعبة ولا علم لهم بذلك ثم قدموا بعد ذلك إلى المدينة فوجودا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت إلى الكعبة فقالوا : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن على ضلال فأنزل اللّه عز وجل : وَما كانَ اللّه لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ يعني وما كان اللّه ليبطل عمل قوم وقد عملوا بالمنسوخ حتى بين الناسخ إِنَّ اللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعني أنه سبحانه وتعالى عليم بما خالط نفوسكم من الخوف عند ما نهاكم عن الاستغفار للمشركين ويعلم ما يبين لكم من أوامره ونواهيه.

إِنَّ اللّه لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّه مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تابَ اللّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧)

﴿ ١١٥