١٢٦١٢٨قوله سبحانه وتعالى : أَوَلا يَرَوْنَ قرئ ترون بالتاء على خطاب المؤمنين وقرئ بالياء على أنه خبر عن المنافقين المذكورين في قوله في قلوبهم مرض أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ يعني يبتلون فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ يعني بالأمراض والشدائد. وقيل : بالقحط والجدب. وقيل : بالغزو والجهاد. وقيل : إنهم يفتضحون بإظهار نفاقهم. وقيل : إنهم ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقيل إنهم ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين ثُمَّ لا يَتُوبُونَ يعني من النفاق ونقض العهد ولا يرجعون إلى اللّه وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ يعني ولا يتعظون بما يرون من صدق وعد اللّه بالنصر والظفر للمسلمين وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يعني فيها عيب المنافقين وتوبيخهم نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يريدون بذلك الهرب يقول بعضهم لبعض إشارة هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ يعني هل أحد من المؤمنين يراكم إن قمتم من مجلسكم فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد وإن علموا أن أحدا يراهم من المؤمنين أقاموا ولبثوا على تلك الحال ثُمَّ انْصَرَفُوا يعني عن الإيمان بتلك السورة النازلة. وقيل : انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون صَرَفَ اللّه قُلُوبَهُمْ يعني عن الإيمان. وقال الزجاج : أضلهم اللّه مجازاة لهم على فعلهم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ يعني لا يفقهون عن اللّه دينه ولا شيئا فيه نفعهم. قوله سبحانه وتعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ هذا خطاب للعرب يعني : لقد جاءكم أيها العرب رسول من أنفسكم تعرفون نسبه وحسبه وأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام قال ابن عباس ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلى اللّه عليه وسلم وله فيهم نسب وقال جعفر بن محمد الصادق : لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح) هكذا ذكره الطبري وذكر البغوي بإسناد الثعلبي. عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام) قال قتادة : جعله اللّه من أنفسكم فلا يحسدونه على ما أعطاه اللّه من النبوة والكرامة. قال بعض العلماء في تفسير قول ابن عباس : ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يعني : من مضرها وربيعتها ويمانيها فأما ربيعة ومضر فهم من ولد معد بن عدنان وإليه تنسب قريش وهو منهم وأما نسبه إلى عرب اليمن وهم القحاطنة فإن آمنة لها نسب في الأنصار وإن كانت من قريش والأنصار أصلهم من عرب اليمن من ولد قحطان بن سبأ فعلى هذا القول يكون المقصود من قوله : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم). ترغيب العرب في نصره والإيمان به فإنه تم شرفهم بشرفه وعزتهم بعزته وفخرهم بفخره وهو من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة والعفاف وطهارة النسب والأخلاق الحميدة. وقرأ ابن عباس والزهري : من أنفسكم بفتح الفاء. ومعناه : أنه من أشرفكم وأفضلكم (خ) عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : (بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه) (م) عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : (إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) عن العباس بن عبد المطلب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : قلت يا رسول اللّه إن قريشا جلسوا يتذاكرون أحسابهم بينهم فقالوا مثلك كمثل نخلة في كدية من الأرض فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (إن اللّه خلق الخلق فجعلني من خير فريقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا) أخرجه الترمذي. وقيل إن قوله سبحانه وتعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عام فحمله على العموم أولى فيكون المعنى على هذا القول لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم يعني من جنسكم بشر مثلكم إذ لو كان من الملائكة لضعفت قوى البشر عن سماع كلامه والأخذ عنه. قوله سبحانه وتعالى : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي شديد عليه عنتكم يعني مكروهكم. وقيل : يشق عليه ضلالكم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ حريص على إيمانكم وإيصال الخير إليكم وقال قتادة : حريص على هدايتكم وأن يهديكم اللّه بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني أنه صلى اللّه عليه وسلم رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين (ق). عن جبير بن مطعم قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو اللّه بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي) وقد سماه اللّه رؤوفا رحيما. قال الحسن بن الفضل : لم يجمع اللّه سبحانه وتعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا النبي صلى اللّه عليه وسلم فسماه رؤوفا رحيما قال سبحانه وتعالى : إِنَّ اللّه بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّه لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) |
﴿ ١٢٧ ﴾