٦١٦٧وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ يعني بسبب ظلمهم فيعاجلهم بالعقوبة على ظلمهم وكفرهم وعصيانهم. فإن قلت الناس اسم جنس يشمل الكل وقد قال تعالى في آية أخرى (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) ، فقسمهم في تلك الآية ثلاثة أقسام فجعل الظالمين قسما واحدا من ثلاثة. قلت : قوله ولو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم عام مخصوص بتلك الآية الأخرى ، لأن في جنس الناس الأنبياء والصالحين ومن لا يطلق عليه اسم الظلم ، وقيل : أراد بالناس الكفار فقط بدليل قوله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وقوله ما تَرَكَ عَلَيْها يعني على الأرض كناية عن غير مذكور لأن الدابة لا تدب إلا على الأرض مِنْ دَابَّةٍ يعني أن اللّه سبحانه وتعالى ، لو يؤاخذ الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض. قال قتادة : وقد فعل اللّه ذلك في زمن نوح عليه السلام وروي أن أبا هريرة سمع رجلا يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه ، فقال : بئس ما قلت إن الحبارى تموت هزالا بظلم الظالم. وقال ابن مسعود : إن الجعل تعذب في جحرها بذنب ابن آدم وقيل أراد بالدابة الكافر بدليل قوله : (إن شر الدواب عند اللّه الذين كفروا) وقيل في معنى الآية ولو يؤاخذ اللّه الآباء الظالمين بسبب ظلمهم لا نقطع النسل ، ولم توجد الأبناء فلم يبق في الأرض أحد وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ يعني يمهلهم بفضله ، وكرمه وحلمه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني إلى انتهاء آجالهم وانقضاء أعمارهم فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ يعني لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي جعله اللّه لهم ولا ينقصون عنه. وقيل : أراد بالأجل المسمى يوم القيامة ، والمعنى ولكن يؤخرهم إلى يوم القيامة فيعذبهم فلا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ يعني لأنفسهم وهي البنات وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى يعني ويقولون : إن لهم البنين وذلك أنهم قالوا : للّه البنات ولنا البنون ، وهذا القول كذب منهم وافتراء على اللّه. وقيل : أراد بالحسنى الجنة ، والمعنى أنهم مع كفرهم ، وقولهم الكذب يزعمون أنهم على الحق وأن لهم الجنة وذلك أنهم قالوا : إن كان محمد صادقا في البعث بعد الموت ، فإن لنا الجنة لأنّا على الحق فأكذبهم اللّه فقول لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ يعني في الآخرة لا الجنة وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ قرئ بكسر الراء مع التخفيف ، يعني مسرفون وقرئ بكسر الراء مع التشديد يعني مضيعون لأمر اللّه وقراءة الجمهور بفتح الراء مع تخفيفها أي منسيون في النار قاله ابن عباس وقال سعيد بن جبير ومقاتل : متروكون. وقال قتادة : معجلون إلى النار. وقال الفراء : مقدمون إلى النار والفرط ما تقدم إلى الماء قبل القوم. ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم (أنا فرطكم على الحوض) أي متقدمكم تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني كما أرسلناك إلى هذه الأمة لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فكان شأنهم مع رسلهم التكذيب ففيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني أعمالهم الخبيثة من الكفر والتكذيب ، والمزين في الحقيقة هو اللّه تعالى هذا مذهب أهل السنة ، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم ، وليس له قدرة أن يضل أحدا أو يهدي أحدا ، وإنما له الوسوسة فقط فمن أراد شقاوته سلطه عليه حتى يقبل وسوسته فَهُوَ وَلِيُّهُمُ أي ناصرهم الْيَوْمَ ومن كان الشيطان وليه وناصره فهو مخذول مغلوب مقهور ، وإنما سماه وليا لهم لطاعتهم إياه وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني في الآخرة وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ يعني في أمر الدين والأحكام فتبين لهم الهدى من الضلال ، والحق من الباطل والحلال من الحرام وَهُدىً وَرَحْمَةً يعني وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ورحمة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأنهم هم المنتفعون به قوله سبحانه وتعالى وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَحْيا بِهِ يعني بالماء الْأَرْضَ يعني بالنبات والزروع بَعْدَ مَوْتِها يعني يبسها وجدوبتها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني دلالة واضحة على كمال قدرتنا لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ يعني سماع إنصاف وتدبر وتفكر ، لأن سماع القلوب هو النافع لا سماع الآذان فمن سمع آيات اللّه ، أي القرآن بقلبه وتدبرها وتفكر فيها انتفع ، ومن لم يسمع بقلبه لم ينتفع بالآيات وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً يعني إذا تفكرتم فيها عرفتم كمال قدرتنا على ذلك نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ الضمير عائد إلى الأنعام ، وكان حقه أن يقال مما في بطونها ، واختلف النحويون في الجواب ، فقيل : إن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع فهو بحسب اللفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد ، وهو مذكر وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو مؤنث فلهذا المعنى. قال هنا مما في بطونه وقال في سورة المؤمنين : مما في بطونها. وهذا قول أبي عبيدة والأخفش وقال الكسائي : إنه رده إلى ما ذكر يعني مما في بطون ما ذكرنا ، وقال غيره الكناية مردودة إلى البعض وفيه إضمار كأنه قال : نسقيكم مما في بطونه اللبن فأضمر اللبن إذ ليس لكلها لبن مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وهو ما في الكرش من الثفل ، فإذا خرج منها لا يسمى فرثا وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً يعني من الدم والفرث ليس عليه لون الدم ولا رائحة الفرث. قال ابن عباس : إذا أكلت الدابة العلف ، واستقر في كرشها ، وطبخته كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما فالكبد مسلطة عليه تقسمه بتقدير اللّه سبحانه وتعالى فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الثفل كما هو سائِغاً لِلشَّارِبِينَ يعني هنيئا سهلا يجري في الحلق بسهولة. قيل : إنه لم يغص أحد باللبن قط. هذا قول المفسرين في معنى هذه الآية. وحكى الإمام فخر الدين الرازي قول الحكماء في ذلك ، فقال : ولقائل أن يقول الدم واللبن لا يتولدان في الكرش البتة ، والدليل على الحس فان هذه الحيوانات تذبح ذبحا متواليا ، وما رأى أحد في كرشها دما ولا لبنا بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء ، وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانا وإلى كرشه إن كان من الأنعام ، وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافيا انجذب إلى الكبد ، وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء ، ثم ذلك الذي حصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دما وهو الهضم الثاني ، ويكون ذلك مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية فأما الصفراء فتذهب إلى المرارة وأما السوداء فتذهب إلى الطحال ، وأما المائية فتذهب إلى الكلية ومنها إلى المثانة ، وأما الدم فيذهب في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث. وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع والضرع لحم غددي رخو أبيض ، فيقلب اللّه عز وجل ذلك الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض ، فيصير الدم لبنا فهذا صورة تكوّن اللبن في الضرع فاللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم ، والدم إنما يتولد من بعض الأجزاء اللطيفة من الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش فاللبن تولد أولا من الفرث ثم من الدم ثانيا ثم صفاه اللّه سبحانه وتعالى بقدرته فجعله لبنا خالصا من بين فرث ، ودم عند تولد اللبن في الضرع يخلق اللّه عز وجل بلطيف حكمته في حلمة الثدي ثقبا صغيرا ومسام ضيقة فيجعلها كالمصفاة للبن فكل ما كان لطيفا من اللبن خرج بالمص أو الحلب وما كان كثيفا احتبس في البدن ، وهو المراد بقوله خالصا هنيئا مريئا. قوله عز وجل وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ يعني ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ الضمير في منه يرجع إلى ما تقديره ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً قال ابن مسعود وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وإبراهيم وابن أبي ليلى والزجاج وابن قتيبة : السكر الخمر سميت بالمصدر من قولهم سكر سكرا ، وسكرا والرزق الحسن سائر ما يتخذ من ثمرات النخيل ، والأعناب مثل الدبس والتمر والزبيب والخل وغير ذلك. فإن قلت : الخمر محرمة فكيف ذكرها اللّه عز وجل في معرض الإنعام والامتنان؟ قلت : قال العلماء في الجواب عن هذا : إن هذه السورة مكية ، وتحريم الخمر إنما نزل في سورة المائدة وهي مدنية فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة ، وقيل : إن اللّه عز وجل نبه في هذه الآية على تحريم الخمر أيضا ، لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسنا يدل على التحريم ، وروى العوفي عن ابن عباس أن السكر هو الخل بلغة الحبشة وقال بعضهم : السكر هو النبيذ وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد ، والمطبوخ من العصير وهو قول الضحاك والنخعي ومن يبيح شرب النبيذ ومن يحرمه يقول المراد من الآية الإخبار لا الإحلال ، وأولى الأقاويل أن قوله تتخذون منه سكرا منسوخ. سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال السكر : ما حرم من ثمراتها والرزق الحسن ما حل قلت : القول بالنسخ فيه نظر لأن قوله ، ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا خبر ، والأخبار لا يدخلها النسخ ، ومن زعم أنها منسوخة رأى أن هذه الآية نزلت بمكة في وقت إباحة الخمر ثم إن اللّه تبارك وتعالى حرمها بالمدينة فحكم على هذه الآية بأنها منسوخة وقال أبو عبيدة في معنى الآية : السكر الطعم يقال هذا سكر لك أي طعم لك وقال غيره : السكر ما سد الجوع من قولهم سكرت النهر أي سددته والتمر والزبيب مما يسد الجوع ، وهذا شرح قول أبي عبيدة أن السكر الطعم إِنَّ فِي ذلِكَ يعني الذي ذكر من إنعامه على عباده لَآيَةً يعني دلالة وحجة واضحة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يعني أن من كان عاقلا استدل بهذه الآية على كمال قدرة اللّه تعالى ووحدانيته وعلم بالضرورة أن لهذه الأشياء خالقا ، ومدبرا قادرا على ما يريد. قوله سبحانه وتعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) |
﴿ ٦٢ ﴾