٨٩٩٧وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ قال ابن عباس : يريد الأنبياء. قال المفسرون : كل نبي شاهد على أمته وهو أعدل شاهد عليها مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني منهم لأن كل نبي إنما بعث من قومه الذين بعث إليهم ليشهدوا عليهم وبما فعلوا من كفر وإيمان وطاعة وعصيان وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ يعني على قومك وأمتك وتم الكلام هنا ثم قال تبارك وتعالى وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يعني القرآن تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ اسم من البيان قال مجاهد : يعني لما أمر به وما نهى عنه. وقال أهل المعاني : تبيانا لكل شيء يعني من أمور الدين إما بالنص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم به من بيان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيّن ما في القرآن من الأحكام والحدود والحلال والحرام ، وجميع المأمورات والمنهيات ، وإجماع الأمة فهو أيضا أصل ومفتاح لعلوم الدين وَهُدىً يعني من الضلالة وَرَحْمَةً يعني لمن آمن به وصدقه وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ يعني وفيه بشرى للمسلمين من اللّه عز وجل. وقوله سبحانه وتعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ قال ابن عباس : العدل شهادة أن لا إله إلا اللّه والإحسان أداء الفرائض. وفي رواية عنه قال : العدل خلع الأنداد ، والإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك إن كان مؤمنا تحب أن يزداد إيمانا ، وإن كان كافرا تحب أن يكون أخاك في الإسلام. وقال في رواية أخرى عنه : العدل التوحيد والإحسان الإخلاص ، وأصل العدل في اللغة المساواة في كل شيء من غير زيادة في شيء ولا غلو ولا نقصان فيه ، ولا تقصير فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر والإحسان أن تقابل الخير بأكثر منه والشر بأن تعفو عنه : وقيل : العدل الإنصاف ولا إنصاف أعظم من الاعتراف للمنعم بإنعامه ، والإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ، وقيل يأمر بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا يفعل إلا ما هو عدل ، ولا يقول إلا ما هو حسن وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى يعني ويأمر بصلة الرحم وهم القرابة الأدنون والأبعدون منك فيستحب أن تصلهم من فضل ما رزقك اللّه فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن وتودد وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ قال ابن عباس : يعني الزنا. وقال غيره الفحشاء ، ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال والأفعال المذمومة وَالْمُنْكَرِ قال ابن عباس : يعني الشرك والكفر. وقال غيره : المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة وَالْبَغْيِ يعني الكبر والظلم. وقيل : البغي هو التطاول على الغير على سبيل الظلم والعدوان. قال بعضهم : إن أعجل المعاصي البغي ولو أن جبلين بغى أحدهما على الآخر لدك الباغي. وقال ابن عيينة في هذه الآية : العدل استواء السر والعلانية ، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته والفحشاء والمنكر والبغي ، أن تكون علانيته أحسن من سريرته ، وقال بعضهم : إن اللّه سبحانه وتعالى ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء ، ومن المنهيات ثلاثة أشياء ، فذكر : العدل وهو الإنصاف ، والمساواة في الأقوال والأفعال وذكر في مقابلته الفحشاء ، وهي ما قبح من الأقوال والأفعال وذكر الإحسان ، وهو أن تعفو عمن ظلمك وتحسن إلى من أساء إليك وذكر في مقابلته المنكر ، وهو أن تنكر إحسان من أحسن إليك ، وذكر إيتاء ذي القربى ، والمراد به صلة القرابة والتودد إليهم ، والشفقة عليهم وذكر في مقابلته البغي ، وهو أن يتكبر عليهم أو يظلمهم حقوقهم ثم قال تعالى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني إنما أمركم بما أمركم به ونهاكم عما نهاكم عنه ، لكي تتعظوا وتتذكروا فتعملوا ، بما فيه رضا اللّه تعالى. قال ابن مسعود : إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية. وقال أهل المعاني : لما قال اللّه تعالى في الآية الأولى ، ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء بيّن في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه على سبيل الإجمال ، فما من شيء يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ، مما يجب أن يؤتى أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية وروى عكرمة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قرأ على الوليد بن المغيرة أنّ اللّه يأمر بالعدل إلى آخر الآية ، فقال له : (يا ابن أخي أعد عليّ) فأعادها عليه فقال له الوليد : واللّه إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر. قوله عز وجل وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ لما ذكر اللّه سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة المأمورات والمنهيات على سبيل الإجمال ، ذكر في هذه الآية بعض ذلك الإجمال على التفصيل فبدأ بالأمر بالوفاء بالعهد ، لأنه آكد الحقوق فقال تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ نزلت في الذين بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام ، فأمرهم بالوفاء بهذه البيعة ، وقيل : المراد منه كل ما يلتزمه الإنسان باختياره ، ويدخل فيه الوعد أيضا لأن الوعد من العهد ، وقيل : العهد هاهنا اليمين. قال القتيبي : العهد يمين وكفارته كفارة يمين فعلى هذا يجب الوفاء به إذا كان فيه صلاح أما إذا لم يكن فيه صلاح ، فلا يجب الوفاء به لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : (من حلف يمينا ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ، وليكفّر عن يمينه) فيكون قوله وأوفوا بعهد اللّه من العام الذي خصصته السنة. وقال مجاهد وقتادة : نزلت في حلف أهل الجاهلية ، ويشهد لهذا التأويل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم (كل حلف كان في الجاهلية ، لم يزده الإسلام إلا شدة) وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها يعني تشديدها فتحنثوا فيها وفيه دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم منها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا يعني شهيدا بالوفاء بالعهد إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ يعني من وفاء العهد ونقضه ثم ضرب اللّه سبحانه وتعالى مثلا لنقض العهد فقال تعالى وَلا تَكُونُوا يعني في نقض العهد كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ يعني من بعد إبرامه وإحكامه. قال الكلبي ومقاتل : هذه امرأة من قريش يقال لها ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم وكانت خرقاء حمقاء بها وسوسة ، وكانت قد اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفلكة عظيمة على قدرها ، وكانت تغزل الغزل من الصوف ، أو الشعر أو الوبر وتأمر جواريها بالغزل فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار ، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن ، فكان هذا دأبها. والمعنى : أن هذه المرأة ، لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن النقض فكذلك من نقض العهد لا تركه ولا حين عاهد وفي به أَنْكاثاً جمع نكث وهو ما ينقض من الغزل أو الحبل بعد الفتل تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ يعني دغلا وخيانة وخديعة ، والدخل ما يدخل في الشيء على سبيل الفساد ، وقيل : الدخل والدغل أن يظهر الرجل الوفاء بالعهد ويبطن نقضه أَنْ تَكُونَ يعني لأن تكون أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ يعني أكثر وأعلى من أمة. قال مجاهد : وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوما أكثر من أولئك وأعز نقضوا حلف هؤلاء ، وحالفوا الأكثر. والمعنى : أنكم طلبتم العز بنقض العهد لأن كانت أمة أي جماعة أكثر من جماعة فنهاهم اللّه عن ذلك ، وأمرهم بالوفاء بالعهد لمن عاهدوا وحالفوا ، إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ يعني يختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهد وهو أعلم بكم وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ يعني في الدنيا فيثيب الطائع المحق ، ويعاقب المسيء الخالف قوله سبحانه وتعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يعني على ملة واحدة ودين واحد ، وهو دين الإسلام وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ يعني بخذلانه إياه عدلا منه وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بتوفيقه إياه فضلا منه وذلك مما اقتضته الحكمة الإلهية لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون ، وهو قوله تعالى وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني في الدنيا فيجازى المحسن بإحسانه ، ويعاقب المسيء بإساءته أو يغفر له. قوله عز وجل وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ يعني خديعة وفسادا بينكم فتغروا بها الناس فيسكنوا إلى أيمانكم ، ويأمنوا إليكم ثم تنقضونها. وإنما كرر هذا المعنى تأكيدا عليهم وإظهارا لعظم أمر نقض العهد. قال المفسرون : وهذا في نهي الذين بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام نهاهم عن نقض عهده ، لأن الوعيد الذي بعده وهو قوله سبحانه وتعالى : فنزل قدم بعد ثبوتها لا يليق بنقض عهد غيره ، إنما يليق بنقض عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الإيمان به وبشريعته وقوله فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها مثل يذكر لكل من وقع في بلاء ومحنة بعد عافية ونعمة أو سقط في ورطة بعد سلامة. تقول العرب لكل واقع في بلاء بعد عافية : زلت قدمه ، والمعنى : فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام ، بعد ثبوتها عليها وَتَذُوقُوا السُّوءَ يعني العذاب بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني بسبب صدكم غيركم عن دين اللّه وذلك لأن من نقض العهد ، فقد علّم غيره نقض العهد فيكون هو أقدمه على ذلك وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني بنقضكم العهد وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يعني ولا تنقضوا عهودكم وتطلبوا بنقضها عوضا من الدنيا قليلا ، ولكن أوفوا بها إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ يعني فإن ما عند اللّه من الثواب لكم على الوفاء بالعهد هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يعني من عاجل الدنيا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك فقال تبارك وتعالى ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ يعني من متاع الدنيا ، ولذاتها يفنى ويذهب وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ يعني من ثواب الآخرة ونعيم الجنة وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا يعني على الوفاء بالعهد على السراء والضراء أَجْرَهُمْ يعني ثواب صبرهم بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ عن أبي موسى الأشعري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : (من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى) وقوله سبحانه وتعالى مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فإن قلت : من عمل صالحا يفيد العموم فما فائدة الذكر والأنثى؟ قلت : هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين إلا أنه إذا ذكر وأطلق ، كان الظاهر تناوله للذكر دون الأنثى فقيل من ذكر أو أنثى على التبيين ، ليعلم الوعد للنوعين جميعا وجواب آخر وهو أن الآية واردة بالوعد بالثواب والمبالغة في تقرير الوعد ، من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتا للتأكد ، وإزالة لوهم التخصيص ، وقوله : وهو مؤمن ، جعل الإيمان شرطا في كون العمل الصالح موجبا للثواب فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً قال سعيد بن جبير وعطاء : هي الرزق الحلال ، وقال مقاتل : هي العيش في الطاعة ، وقيل : هي حلاوة الطاعة. وقال الحسن هي القناعة وقيل رزق يوم بيوم ، واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا ، وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر وإن كان غنيا لأن المؤمن لما علم أن رزقه من عند اللّه ، وذلك بتقديره وتدبيره وعرف أن اللّه محسن كريم متفضل لا يفعل إلا الصواب ، فكان المؤمن راضيا عن اللّه وراضيا بما قدره اللّه له ورزقه إياه ، وعرف أنه له مصلحة في ذلك القدر الذي رزقه إياه فاستراحت نفسه من الكد والحرص فطاب عيشه بذلك وأما الكافر أو الجاهل بهذه الأصول الحريص على طلب الرزق فيكون أبدا في حزن وتعب وعناء وحرص وكد ولا ينال من الرزق إلا ما قدر له فظهر بهذا أن عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره. وقال السدي : الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا وتعبها. وقال مجاهد وقتادة : في قوله فلنحيينه حياة طيبة هي الجنة. وروى العوفي عن الحسن ، قال : لا تطيب لأحد الحياة إلا في الجنة لأنها حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا شقاة ، فثبت بهذا أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة ، ولقوله في سياق الآية وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لأن ذلك الجزاء إنما يكون في الجنة. قوله عز وجل : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) |
﴿ ٩٠ ﴾