١٠٦١١٧مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ نزلت في عمار بن ياسر وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمه سمية ، وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ليرجعوا عن الإسلام ، فأما سمية أم عمار فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قلبها بحربة ، فقتلت ، وقتل زوجها ياسر فهما أول قتيلين قتلا في الإسلام وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ما أرادوا بلسانه مكرها. قال قتادة أخذ بنو المغيرة عمار وغطوه في بئر ميمون وقالوا له : اكفر بمحمد فبايعهم على ذلك وقلبه كاره ، وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن عمارا كفر. فقال (كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يبكي فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما وراءك قال : شر يا رسول اللّه نلت منك وذكرت. فقال : كيف وجدت قلبك قال : مطمئنا بالإيمان فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمسح عينيه. وقال : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت) فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد : نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن هاجروا إلينا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا ، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم عن دينهم فكفروا كارهين ، وهذا القول ضعيف لأن الآية مكية وكان هذا في أول الإسلام قبل أن يؤمروا بالهجرة ، وقال مقاتل : نزلت في جبر مولى عامر ابن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر ، فكفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان ثم أسلم عامر بن الحضرمي مولى جبر ، وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة والأولى أن يقال إن الآية عامة في كل من أكره على الكفر ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، وإن كان السبب خاصا. فإن قلت : المكره على الكفر ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر ، فما معنى هذا الاستثناء فيه إلا من أكره. قلت : المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما شابه ما يظهر من الكافر طوعا صح هذا الاستثناء لهذه المشابهة والمشاكلة واللّه أعلم. فصل في حكم الآية قال العلماء : يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به ، مثل التخويف بالقتل والضرب الشديد والإيلامات القوية ، مثل التحريق بالنار ونحوه. قال العلماء : أول من أظهر الإسلام مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سبعة : أبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وأبوه ياسر وأمه سمية فأما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمنعه اللّه من أذى المشركين بعمه أبي طالب وأما أبو بكر ، فمنعه قومه وعشيرته وأخذ الآخرون ، وألبسوا أدراع الحديد وأجلسوا في حر الشمس بمكة ، فأما بلال فكانوا يعذبونه وهو يقول أحد أحد حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه وقتل ياسر وسمية كما تقدم. وقال خباب : لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري. وأجمعوا على أن من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة تصريحا بل يأتي بالمعاريض ، وبما يوهم أنه كفر ، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان غير معتقد ، ما يقوله من كلمة الكفر ولو صبر حتى قتل كان أفضل لأن ياسرا وسمية قتلا ولم يتلفظا بكلمة الكفر ، ولأن بلالا صبر على العذاب ولم يلم على ذلك. قال العلماء : من الأفعال ما يتصور الإكراه عليها كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ، والميتة ونحوها فمن أكره بالسيف أو القتل على أن يشرب الخمر أو يأكل الميتة أو لحم الخنزير أو نحوها ، جاز له ذلك لقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وقيل : لا يجوز له ذلك ولو صبر كان أفضل ، ومن الأفعال ما لا يتصور الإكراه عليه كالزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد ، وذلك يمنع انتشار الآلة فلا يتصور فيه الإكراه واختلف العلماء في طلاق المكره ، فقال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه وأكثر العلماء : لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة : يقع. حجة الشافعي ومن وافقه قوله سبحانه وتعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته ، لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره والمعنى أنه لا أثر له ولا عبرة به ، وقوله تعالى وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ فيه دليل على أن محل الإيمان هو القلب وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً يعني فتحه ووسعه لقبول الكفر واختاره ورضي به فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني في الآخرة ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ يعني يكون ذلك الإقدام على الارتداد إلى الكفر ، لأجل أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يعني لا يرشدهم إلى الإيمان ولا يوفقهم للعمل به أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ تقدم تفسيره وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ يعني عما يراد بهم من العذاب في الآخرة وهو قوله سبحانه وتعالى لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني أن الإنسان إنما يعمل في الدنيا ، ليربح في الآخرة فإذا دخل النار بان خسرانه وظهر غبنه لأنه ضيع رأس ماله ، وهو الإيمان ومن ضيع رأس ماله فهو خاسر. قوله عز وجل ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا يعني عذبوا ومنعوا من الدخول في الإسلام فتنهم المشركون ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا على الإيمان والهجرة والجهاد إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها يعني من بعد الفتنة التي فتنوها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة ، وكان أخا أبي جهل من الرضاعة ، وقيل كان أخاه لأمه وفي أبي جندل بن سهيل بن عمرو والوليد بن الوليد بن المغيرة ، وسلمة بن هشام وعبد اللّه ابن أسد الثقفي فتنهم المشركون ، وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا. وقال الحسن وعكرمة : نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن أبي سرح كان قد أسلم ، وكان يكتب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فاستزله الشيطان ، فارتد ولحق بدار الحرب فلما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقتله فاستجاره عثمان ، وكان أخاه لأمه فأجاره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلم وحسن إسلامه وهذا القول إنما يصح إذا قلنا : إن هذه الآية مدنية نزلت بالمدينة فتكون من الآيات المدنيات في السور المكيات ، واللّه أعلم بحقيقة ذلك قوله سبحانه وتعالى يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها يعني تخاصم وتحتج عن نفسها أي بما أسلفت من خير وشر ، واشتغلت بالمجادلة لا تتفرغ إلى غيرها. فإن قلت : النفس هي نفس واحدة ، وليس لها نفس أخرى فما معنى قوله كل نفس تجادل عن نفسها؟ قلت : إن النفس قد يراد بها بدن الإنسان ، وقد يراد بها مجموع ذاته وحقيقته فالنفس الأولى هي مجموع ذات الإنسان وحقيقته والنفس الثانية ، هي بدنه فهي عينها وذاتها أيضا ، والمعنى : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ، ولا يهمه غيره ومعنى هذه المجادلة الاعتذار بما لا يقبل منه كقولهم واللّه ربنا ما كنا مشركين ، ونحو ذلك من الاعتذارات وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ يعني جزاء ما عملت في الدنيا من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يعني لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا ، بل يوفون ذلك كاملا من غير زيادة ولا نقصان. روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال لكعب الأحبار : خوفنا فقال يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو وافيت القيامة بمثل عمل سبعين نبيا ، لأتت عليك ساعات وأنت لا يهمك إلا نفسك وإن جهنم لتزفر زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه حتى إبراهيم خليل الرحمن يقول : يا رب لا أسألك إلا نفسي ، وإن تصديق ذلك فيما أنزل اللّه تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها. وروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال : ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد ، فتقول الروح : يا رب لم تكن لي أيد أبطش بها ، ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها ، ويقول الجسد : يا رب خلقتني كالخشبة ، ليست لي يد أبطش بها ، ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها فجاء هذا الروح كشعاع النور فيه نطق لساني ، وبه أبصرت عيناي وبه مشت رجلاي فضرب اللّه لهما مثلا أعمى ومقعد دخلا حائطا ، يعني بستانا فيه ثمار فالأعمى لا يبصر الثمار والمقعد لا يناله فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر فعليهما العذاب. قوله عز وجل وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً المثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ، ليبين أحدهما الآخر ويصوره ، وقيل : هو عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة ، قال الإمام فخر الدين الرازي : المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء ، كان ذلك الشيء موجودا أو لم يكن وقد يضرب بشيء موجود معين ، فهذه القرية التي ضرب اللّه بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئا مفروضا ، ويحتمل أن تكون قرية معينة ، وعلى التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها والأكثر من المفسرين على أنها مكة ، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلا لمكة ومثل مكة يكون غير مكة ، وقال الزمخشري في كتابه الكشاف : وضرب اللّه مثلا قرية أي جعل القرية التي هذه حالها ، مثلا لكل قوم أنعم اللّه عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل اللّه بهم نقمته ، فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة ، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها ، فضرب اللّه مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها وقال الواحدي : ضرب المثل ببيان المشبه والمشبه به ، وهاهنا ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه لوضوحه عند المخاطبين ، والآية عند عامة المفسرين نازلة في أهل مكة وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن ، والنعمة بتكذيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتقدير الآية ضرب اللّه مثلا لقريتكم أي بين اللّه لها شبها ثم قال : قرية فيجوز أن تكون القرية بدلا من مثلا لأنها هي الممثل بها ، ويجوز أن يكون المعنى ضرب اللّه مثلا ، مثل قرية فحذف المضاف هذا قول الزجاج والمفسرون كلهم قالوا : أراد بالقرية مكة يعنون أنه أراد مكة في تمثيلها بقرية صفتها ما ذكر. وقال ابن الجوزي : في هذه القرية قولان : أحدهما أنها مكة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وهو الصحيح ، والثاني أنها قرية أوسع اللّه على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز فبعث اللّه عليهم الجوع ، قاله الحسن. وأقول : هذه الآية نزلت بالمدينة في قول مقاتل وبعض المفسرين ، وهو الصحيح لأن اللّه سبحانه وتعالى وصف هذه القرية بصفات ستة كانت هذه الصفات موجودة في أهل مكة ، فضربها اللّه مثلا لأهل المدينة يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم ، فيصيبهم ما أصابهم من الجوع والخوف ، ويشهد لصحة ما قلت إن الخوف المذكور في هذه الآية في قوله فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف هو البعوث والسرايا التي كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يبعثها في قول جميع المفسرين لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يؤمر بالقتال ، وهو بمكة وإنما أمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة ، فكان يبعث البعوث والسرايا إلى حول مكة يخوّفهم بذلك ، وهو بالمدينة واللّه أعلم بمراده ، وأما تفسير قوله تعالى : وضرب اللّه مثلا قرية يعني مكة كانَتْ آمِنَةً يعني ذات أمن لا يهاج أهلها ولا يغار عليهم مُطْمَئِنَّةً يعني قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها للانتجاع كما كان يحتاج إليه سائر العرب يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً يعني واسعا مِنْ كُلِّ مَكانٍ يعني يحمل إليها الرزق والميرة من البر والبحر . نظيره قوله سبحانه وتعالى تجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم وهو قوله (و ارزق أهله من الثمرات) فَكَفَرَتْ يعني هذه القرية والمراد أهلها بِأَنْعُمِ اللَّهِ جمع نعمة والمراد بها سائر النعم التي أنعم اللّه بها على أهل مكة فلما قابلوا نعم اللّه التي أنعم بها عليهم بالجحود والكفر ، لا جرم أن اللّه تعالى انتقم منهم فقال تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وذلك أن اللّه سبحانه وتعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين ، فقطع عنهم المطر وقطعت عنهم العرب الميرة بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب والميتة والعهن ، وهو الوبر يعالج بالدم ويخلط به حتى يؤكل ، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك ، وقالوا : ما هذا هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان ، فأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حمل الطعام إليهم ، وهم بعد مشركون. والخوف يعني خوف بعوث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وسراياه التي كان يبعثها للإغارة فكانت تطيف بهم وتغير على من حولهم من العرب فكان أهل مكة يخافونهم. فإن قلت : الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما ، والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة إيقاعها عليه ، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس ، فيقال كساهم اللّه لباس الجوع أو يقال فأذاقهم اللّه طعم الجوع قلت : قال صاحب الكشاف : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد ، وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر ، والألم بما يدرك من طعم المر البشع وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان ، والتلبس به من بعض الحوادث وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف ، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف ، ثم ذكر بعده من علم المعاني والبيان ما يشهد لصحة ما قال. وقال الإمام فخر الدين الرازي : جوابه من وجوه ، الأول ، أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان : أحدهما أن المذوق هو الطعام فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع. والثاني ، أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس ، والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق ، وحالة تشبه الملبوس فاعتبر اللّه كلا الاعتبارين فقال فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف ، الوجه الثاني : أن التقدير أن اللّه عرفها أثر لباس الجوع والخوف ، إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة ، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فوضع موضع التعرف ، وهو الاختبار تقول ناظر فلانا وذاق ما عنده : ومن يذق الدنيا فاني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها ولباس الجوع والخوف ما ظهر عليهم من الضمور ، وشحوب اللون ونهكة البدن وتغيير الحال وكسوف البال ، كما تقول : تعرفت سوء أثر الجوع والخوف على فلان ، كذلك يجوز أن تقول : ذقت لباس الجوع والخوف على فلان. الوجه الثالث : أن يحمل لفظ الذوق واللبس على المماسة ، فصار التقدير فأذاقها اللّه مساس الجوع والخوف ثم قال تعالى بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ولم يقل بما صنعت لأنه أراد أهل القرية ، والمعنى : فعلنا بهم ما فعلنا بسبب ما كانوا يصنعون ، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم اللّه عز وجل عليهم بالنعمة العظيمة وهي إرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو منهم فكفروا به وكذبوه وبالغوا في إيذائه ، وأرادوا قتله فأخرجه اللّه من بينهم وأمره بالهجرة إلى المدينة وسلط على أهل مكة البلاء والشدائد والجوع والخوف كل ذلك بسبب تكذيبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخروجه من بين أظهرهم. قوله سبحانه وتعالى وَلَقَدْ جاءَهُمْ يعني أهل مكة رَسُولٌ مِنْهُمْ يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يعرفون نسبه ، ويعرفونه قبل النبوة وبعدها فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ يعني الجوع والخوف وقيل القتل يوم بدر ، و القول الأول أولى لما تقدم في الآية وَهُمْ ظالِمُونَ يعني كافرون فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ في المخاطبين بهذا قولان : أحدهما ، أنهم المسلمون ، وهو قول جمهور المفسرين ، والثاني ، أنهم هم المشركون من أهل مكة. قال الكلبي : لما اشتد الجوع بأهل مكة كلم رؤساؤهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : إنك إنما عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ فأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحملوا الطعام إليهم حكاه الواحدي وغيره و القول الأول هو الصحيح. قال ابن عباس فكلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم اللّه يريد الغنائم حَلالًا طَيِّباً يعني أن اللّه سبحانه وتعالى أحل الغنائم لهذه الأمة وطيبها لهم ولم تحل لأحد قبلهم وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ يعني التي أنعم بها عليكم إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تقدم تفسير هذه الآية وأحكامها في سورة البقرة فلم نعده هنا ، وقوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ يعني ولا تقولوا لأجل وصفكم الكذب هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ يعني أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره فليس لتحليلكم وتحريمكم معنى وسبب إلا الكذب فقط ، فلا تفعلوا ذلك. قال مجاهد : يعني البحيرة والسائبة. وقال ابن عباس : يعني قولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرم على أزواجنا وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يحلون أشياء ويحرمون أشياء من عند أنفسهم ، وينسبون ذلك إلى اللّه تعالى وهو قوله تعالى لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يعني لا تقولوا إن اللّه أمرنا بذلك فتكذبوا على اللّه لأن وصفهم الكذب هو افتراء على اللّه ثم توعد المفترين للكذب فقال سبحانه وتعالى إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ يعني : لا ينجون من العذاب ، وقيل : لا يفوزون بخير لأن الفلاح هو الفوز بالخير والنجاح ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب فقال تعالى مَتاعٌ قَلِيلٌ يعني متاعهم في الدنيا متاع قليل فإنه لا بقاء له وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني في الآخرة. وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) |
﴿ ١١٢ ﴾