٢٠

٢٥

كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ أي نمد كلا الفريقين من يريد الدنيا ، ومن يريد الآخرة مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ يعني يرزقهما جميعا ثم يختلف الحال بهما في المآل وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي ممنوعا عن عباده والمراد بالعطاء العطاء في الدنيا إذ لا حظ للكافر في الآخرة انْظُرْ يا محمد كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ أي في الرزق والعمل يعني طالب العاجلة وطالب الآخرة وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا يعني أن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا ، كنسبة الآخرة إلى الدنيا فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب الدنيا فلأن تقوى وتشتد رغبته في طلب الآخرة أولى ، لأنها دار المقامة.

قوله تعالى لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخطاب مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد غيره

وقيل معناه لا تجعل أيها الإنسان مع اللّه إلها آخر وهذا أولى فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً أي من غير حمد مَخْذُولًا أي بغير ناصر.

قوله سبحانه وتعالى : وَقَضى رَبُّكَ أي وأمر ربك. قاله ابن عباس :

وقيل معناه وأوجب ربك.

وقيل : معناه الحكم والجزم.

وقيل : ووصى ربك. وحكي عن الضحاك أنه قرأها ووصى ربك وقال : إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصار قافا وهي قراءة علي وابن مسعود. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير هذا القول بعيد جدا لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان على القرآن ، وذلك يخرجه عن كونه حجة ، ولا شك أنه طعن عظيم في الدين أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فيه وجوب عبادة اللّه ، والمنع من عبادة غيره وهذا هو الحق لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم ، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده ولا منعم إلا اللّه ، فكان هو المستحق للعبادة لا غيره وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي وأمر بالوالدين إحسانا أي برا بهما وعطفا عليهما وإحسانا إليهما إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ

أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما معناه أنهما يبلغان إلى حالة الضعف ، والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر واعلم أن اللّه سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الجملة ، كلف الإنسان في حق الوالدين خمسة أشياء :

الأول قوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وهي كلمة تضجّر وكراهية ،

وقيل : إن أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب أو رماد ، ونفخت فيه تزيله تقول : أف ثم إنهم توسعوا بذكر هذه الكلمة إلى كل مكروه يصل إليهم.

والثاني : قوله وَلا تَنْهَرْهُما أي تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك يقال : نهره وانتهره بمعنى.

فإن قلت : المنع من التأفيف أبلغ من المنع من الانتهار فما وجه الجمع

قلت : المراد من قوله ولا تقل لهما أف المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير ، والمراد من قوله ولا تنهرهما ، المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليها.

الثالث : قوله وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً أي حسنا جميلا لينا كما يقتضيه حسن الأدب معهما ،

وقيل : هو يا أماه يا أبتاه

وقيل : لا يكنيهما

وقيل : هو أن يقول لهم كقول العبد الذليل المذنب للسيد الفظ الغليظ.

الرابع : قوله عز وجل وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ أي ألن لهما جناحك واخفضه لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه مِنَ الرَّحْمَةِ أي من الشفقة عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إليك ، كما كنت في حال الصغر مفتقرا إليهما.

الخامس :

قوله سبحانه وتعالى وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً أي وادع اللّه لهما أن يرحمهما برحمته الباقية ، وأراد به إذا كانا مسلمين فأما إذا كانا كافرين فإن الدعاء منسوخ في حقهما ب

قوله سبحانه وتعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى

وقيل :

يجوز الدعاء لهما بأن يهديهما اللّه إلى الإسلام فإذا هداهما فقد رحمهما.

وقيل في معنى هذه الآية : إن اللّه سبحانه وتعالى بالغ في الوصية بهما حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته ، ثم شفعه بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تسوؤهما وأن يذل ، ويخضع لهما ثم ختمها بالأمر بالدعاء لهما والترحم عليهما.

فصل

في ذكر الأحاديث التي وردت في بر الوالدين ،

(ق) عن أبي هريرة قال : (جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا رسول اللّه من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال : أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك)

(م) عنه قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : رغم أنفه ، رغم أنفه رغم أنفه قيل من يا رسول اللّه؟ قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة)

(م) عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)

(ق) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال (جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاستأذنه في الجهاد فقال : أحيّ والداك قال : نعم قال ففيهما فجاهد) وعنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال (رضا الرب في رضا الوالدين وسخط الرب في سخط الوالدين) أخرجه الترمذي مرفوعا وموقوفا قال : وهو أصح عن أبي الدرداء قال (فإن شئت فضيع ذلك الباب أو احفظه) أخرجه الترمذي. وقال حديث صحيح

(م) (عن عبد اللّه بن مسعود قال :

سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي الأعمال أحب إلى اللّه تعالى قال الصلاة لوقتها قلت ، ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل اللّه تعالى).

قوله سبحانه وتعالى رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ أي من بر الوالدين ، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير ، عدم عقوقهما إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أي أبرارا مطيعين قاصدين الصلاح والبر بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين ، أو غيرهما أو قيل فرط منكم في حال الغضب ، وعند حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر مما يؤدي إلى أذاهما ثم أنبتم إلى اللّه ، واستغفرتم مما فرط منكم فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ للتوابين غَفُوراً قال سعيد بن جبير في هذه الآية : هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ بهما. وقال سعيد بن المسيب : الأوّاب الذي يذنب ثم يتوب وعنه أنه الرجاع إلى الخير. وقال ابن عباس : الأوّاب الرجاع إلى اللّه فيما يحزنه ، وينوبه وعنه أنهم المسبحون.

وقيل : هم المصلون

وقيل هم الذين يصلون صلاة الضحى يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم. قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال (صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال) أخرجه مسلم قوله : إذا رمضت الفصال يريد ارتفاع الضحى وأن تحمى الرمضاء وهو الرمل بحر الشمس فتبرك الفصال من الحر وشدة إحراقه أخفافها.

والفصال جمع فصيل وهي أولاد الإبل الصغار

وقيل : الأوّاب الذي يصلي بين المغرب والعشاء يدل عليه ما روي عن ابن عباس قال : إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء وهي صلاة الأوّابين.

قوله سبحانه وتعالى :

وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧)

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠)

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥)

وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨)

﴿ ٢٣