٤٥٦٠ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني بحجة بينة كالعصا واليد وغيرهما إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا يعني تعظموا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً عالِينَ يعني متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم فَقالُوا يعني فرعون وقومه أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا يعنون موسى وهارون وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ يعني مطيعون متذللون فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ يعني بالغرق وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني التوراة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يعني لكي يهتدي به قومه. قوله عزّ وجلّ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً يعني دلالة على قدرتنا لأنه خلقه من غير ذكر وأنطقه في المهد. فإن قلت لم قال آية ولم يقل آيتين قلت معناه جعلنا شأنهما آية لأن عيسى ولد من غير ذكر وكذلك مريم ولدته من غير ذكر فاشتركا في هذه الآية فكانت آية واحدة وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ يعني مكان مرتفع قيل هي دمشق وقيل هي الرملة وقيل أرض فلسطين وقال ابن عباس هي بيت المقدس. قال كعب بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل هي مصر وسبب الإيواء أنها فرت بابنها إليها. وقوله ذاتِ قَرارٍ يعني منبسطة واسعة يستقر عليها ساكنوها وَمَعِينٍ هو الماء الجاري الذي تراه العيون. قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ قيل أراد بالرسل محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وحده وقيل أراد به عيسى عليه السلام وقيل أراد جميع الرسل وأراد بالطيبات الحلال وَاعْمَلُوا صالِحاً أي استقيموا على ما يوجبه الشرع إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فيه تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان الرسل مع علو شأنهم كذلك فلأن يكون تحذيرا لغيرهم أولى لما روي عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : (إنّ اللّه تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطمعه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فإنّى يستجاب لذلك) أخرجه مسلم. قوله عزّ وجلّ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أُمَّةً واحِدَةً أي ملة واحدة وهي الإسلام وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ أي فاحذرون وقيل معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين قبلكم فأمركم واحد وأنا ربكم فاتقون فَتَقَطَّعُوا أي تفرقوا فصاروا فرقا يهودا ونصارى ومجوسا وغير ذلك من الأديان المختلفة أَمْرَهُمْ أي دينهم بَيْنَهُمْ زُبُراً أي فرقا وقطعا مختلفة وقيل معنى زبرا أي كتبا ، والمعنى تمسك كل قوم بكتاب فآمنوا به وكفروا بما سواه من الكتب كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي مسرورون معجبون بما عندهم من الدين فَذَرْهُمْ الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فِي غَمْرَتِهِمْ قال ابن عباس في كفرهم وضلالتهم وقيل في عمايتهم وغفلتهم حَتَّى حِينٍ أي إلى أن يموتوا أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ أي ما نعطيهم ونجعله لهم مددا من المال والبنين في الدنيا نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ أي نعجل لهم ذلك في الخيرات ونقدمه ثوابا لأعمالهم لمرضاتنا عنهم بَلْ لا يَشْعُرُونَ أي إن ذلك استدراج لهم ثم ذكر المسارعين في الخيرات فقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي خائفون ، والمعنى أنّ المؤمنين بما هم عليه من خشية اللّه خائفون من عقابه. قال الحسن البصري المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ يعني يصدقون وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات. وقيل معناه يعملون ما عملوا من أعمال البر وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي خائفة أن ذلك لا ينجيهم من عذاب اللّه وأنّ أعمالهم لا تقبل منهم أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أي إنهم يوقنون أنهم إلى اللّه صائرون. قال الحسن عملوا واللّه بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم. عن عائشة قالت : (قلت يا رسول اللّه والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصدّيق ولكن هم الذين يصومون ويتصدّقون ويخافون أن لا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات) أخرجه الترمذي ، وقوله : أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) |
﴿ ٤٥ ﴾