٤٦٥٥لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ يعني القرآن هو المبين للهدى والأحكام والحلال والحرام وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني إلى دين الإسلام الذي هو دين اللّه وطريقه إلى رضاه وجنته. قوله تعالى وَيَقُولُونَ يعني المنافقين آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا أي يقولونه : بألسنتهم من غير اعتقاد ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي يعرض عن طاعة اللّه ورسوله مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد قولهم آمنا ، ويدعو إلى غير حكم اللّه قال اللّه تعالى وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ نزلت هذا الآية في بشر المنافق ، كان بينه وبين يهودي خصومة في أرض ، فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقال المنافق بل نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن محمدا يحيف فأنزل اللّه هذه الآية وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أي الرسول يحكم بحكم اللّه بينهم إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ يعني عن الحكم وقيل عن الإجابة وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أي مطيعين منقادين لحكمه أي إذا كان الحكم لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم أنه ، كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي كفر ونفاق أَمِ ارْتابُوا أي شكوا وهذا استفهام ذم وتوبيخ ، والمعنى هم كذلك أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ أي بظلم بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. قوله عزّ وجلّ إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ أي إلى كتاب اللّه وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ هذا تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا وهو أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا أي الدعاء وَأَطَعْنا أي بالإجابة وَأُولئِكَ أي من هذه صفته هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قال ابن عباس فيما ساءه وسره وَيَخْشَ اللَّهَ أي على ما عمل من الذنوب وَيَتَّقْهِ أي فيما بعد فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ يعني الناجون. قوله تعالى وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ قيل : جهد اليمين أن يحلف باللّه ولا يزيد على ذلك شيئا لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَ وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا ، ولئن أقمت أقمنا ، ولئن أمرتنا بالجهاد جاهدنا وقيل لما نزل بيان كراهتهم لحكم اللّه ورسوله قالوا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ، وأموالنا ونسائنا لخرجنا ، فكيف لا نرضى بحكمك فقال اللّه تعالى قُلْ لهم لا تُقْسِمُوا يعني لا تحلفوا ، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ يعني هذه طاعة القول باللسان دون الاعتقاد بالقلب ، وهي معروفة يعني أمر عرف منكم أنكم تكذبون ، وتقولون ما لا تفعلون وقيل : معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يعني بقلوبكم وصدق نياتكم فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني أعرضوا عن طاعة اللّه ورسوله فَإِنَّما عَلَيْهِ أي على الرسول ما حُمِّلَ أي ما كلف وأمر به من تبليغ الرسالة وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ أي ما كلفتم من الإجابة والطاعة وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا أي تصيبوا الحق والرشد في طاعته وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي التبليغ الواضح البين. قوله عزّ وجلّ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ قيل مكث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة بعد الوحي عشر سنين مع أصحابه ، وأمروا بالصبر على أذى الكفار فكانوا يصبحون ويمسون خائفين ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم : سلاحه فقال رجل منهم أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فأنزل اللّه هذه الآية ، ومعنى ليستخلفنهم واللّه ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم ، فجعلهم ملوكها وساستها وسكانها كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كما استخلف داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء ، وكما استخلف بني إسرائيل وأهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى أي اختاره لَهُمْ قال ابن عباس يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي آمنين لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً فأنجز اللّه وعده وأظهر دينه ونصر أولياءه وأبدلهم بعد الخوف أمنا وبسطا في الأرض (خ) عن عدي بن حاتم قال : بينا أنا عند النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال : (يا عدي هل رأيت الحيرة قلت : لم أرها ولقد أنبئت عنها قال فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا اللّه قلت فيما بيني وبين نفسي ، فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد ، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه وليلقين اللّه أحدكم يوم القيامة ، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم فليقولن ألم أبعث إليك رسولا ، فيبلغك فيقول بلى يا رب ، ألم أعطك مالا وأفضل عليك فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم ، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم) قال عدي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة) قال عدي : فرأيت الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا اللّه وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم : يخرج الرجل ملء كفه ذهبا إلخ. وفي الآية دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق والخلفاء الراشدين بعده ، لأن في أيامهم كانت الفتوحات العظيمة وفتحت كنوز كسرى وغيره من الملوك ، وحصل الأمن والتمكين وظهور الدين عن سفينة قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا) ثم قال : أمسك خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنين ، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وعلي ستا قال علي : قلت لحماد القائل لسعيد أمسك سفينة قال نعم) أخرجه أبو داود والترمذي بنحو هذا اللفظ. قلت : كذا ورد هذا الحديث بهذا التفصيل ، وفيه إجمال وتفصيله أن خلافة أبي بكر كانت سنتين وثلاثة أشهر ، وخلافة عمر كانت عشر سنين وستة أشهر وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة كما ذكر في الحديث ، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر ولهذا جاء في بعض روايات الحديث على كذا ، ولم يبين تعيين مدته فعلى هذا التفصيل تكون مدة خلافة الأئمة الأربعة تسعة وعشرين سنة وستة أشهر ، وكملت ثلاثين سنة بخلافة الحسن كانت ستة أشهر ثم نزل عنها واللّه أعلم ، وقوله تعالى وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ أراد به كفران النعمة ولم يرد الكفران باللّه فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي العاصون قال أهل التفسير : أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان ، فلما قتلوه غير اللّه ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتلون بعد أن كانوا إخوانا. عن ابن أخي عبد اللّه بن سلام قال : (لما أريد قتل عثمان جاء عبد اللّه بن سلام فقال عثمان : ما جاء بك قال : جئت في نصرك قال : اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارجا خير لي منك داخلا ، فخرج عبد اللّه إلى الناس فقال : أيّها الناس إن للّه سيفا مغمودا وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاللّه اللّه في هذا الرجل أن تقتلوه فو اللّه إن قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة ، وليسلن اللّه سيفه المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة قالوا : اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان) أخرجه الترمذي زاد في رواية غير الترمذي (فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا ، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا). قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) |
﴿ ٤٦ ﴾