٥٩

٦١

وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ أي الاحتلام يريد الأحرار الذين بلغوا فَلْيَسْتَأْذِنُوا أي يستأذنوا في جميع الأوقات في الدخول عليكم كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي الأحرار الكبار كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي دلالته

وقيل أحكامه وَاللَّهُ عَلِيمٌ أي بأمور خلقه حَكِيمٌ بما دبر وشرع قال سعيد بن المسيب : يستأذن الرجل على أمه فإنما أنزلت هذه الآية في ذلك ، وسئل حذيفة أيستأذن الرجل على والدته قال نعم إن لم تفعل رأيت منها ما تكره قوله وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ يعني اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر فلا يلدن ولا يحضن اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً أي لا يردن الأزواج لكبرهن ،

وقيل : هن العجائز اللواتي إذا رآهن الرجال استقذروهن فأما من كانت فيها بقية جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في حكم هذه الآية فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ أي عند الرجال والمعنى بعض ثيابهن وهو الجلباب والرداء الذي فوق الثياب ، والقناع الذي فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ أي من غير أن يردن بوضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن.

والتبرج هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما يجب عليها أن تستره وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ أي فلا يلقين الجلباب ولا الرداء خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

قوله عز وجل لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ اختلف العلماء في هذه الآية فقال ابن عباس : لما أنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى ، والزمنى والعمى والعرج وقالوا الطعام أفضل الأموال وقد نهانا اللّه عز وجل عن أكل الأموال بالباطل ، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب والأعرج لا يتمكن من الجلوس ، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام والمريض يضعف عن التناول فلا يستوفي من الطعام حقه فأنزل اللّه هذه الآية فعلى هذا التأويل يكون على بمعنى في أي ليس في الأعمى ، والمعنى ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والمريض والأعرج حرج

وقيل كان العميان والعرجان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء لأن الناس يقذرونهم ويكرهون مؤاكلتهم ، وكان الأعمى يقول ربما آكل أكثر من ذلك ويقول الأعرج والأعمى ربما أجلس مكان اثنين فنزلت هذه الآية ،

وقيل :

نزلت ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سماهم اللّه في باقي الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل في طلب الطعام فإذا لم يكن عنده شيء ، ذهب بهم إلى بيت أبيه أو بيت أمه أو بعض من سمى اللّه تعالى فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك ، ويقولون ذهب بنا إلى غير بيته فأنزل اللّه هذا الآية

وقيل : كان المسلمون إذا غزوا دفعوا مفاتيح بيوتهم إلى الزمنى ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وأصحابها غيب فأنزل اللّه هذه الآية رخصة لهم

وقيل نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد فعلى هذا تم الكلام عند قوله وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ

وقوله تعالى وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ كلام مستأنف قيل لما نزلت وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قالوا : لا يحل لأحد منا أن يأكل من

أحد فأنزل اللّه تعالى وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم ، قيل أراد من أموال عيالكم وبيوت أزواجكم لأن بيت المرأة كبيت الزوج ،

وقيل بيوت أولادكم ونسب بيوت الأولاد إلى الآباء لما جاء في الحديث (أنت ومالك لأبيك) أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ قال ابن عباس : عني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمرة ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته ولا يحمل ولا يدخر ،

وقيل يعني بيوت عبيدكم ومماليككم ، وذلك أن السيد يملك منزل عبده ، والمفاتح الخزائن ويجوز أن يكون المفتاح الذي يفتح به ، وإذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن ، فلا بأس أن يأكل الشيء اليسير ،

وقيل : ما ملكتم مفاتحه أي ما خزنتموه عندكم وما ملكتموه أَوْ صَدِيقِكُمْ الصديق هو الذي صدقك في المودة قال ابن عباس نزلت في الحارث بن عمرو خرج غازيا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، والمعنى أنه ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً نزلت في بني ليث بن عمرو ، وهم حي من كنانة كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح ، ربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يأتي من يشاربه ، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل وقال ابن عباس : كان الغني يدخل على الفقير

من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول : واللّه إني لأجنح أي أتحرج أن آكل معك ، وأنا غني وأنت فقير فنزلت هذه الآية

وقيل : نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا أنزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم ، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا ، أي مجتمعين أو أشتاتا أي متفرقين فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي ليسلم بعضكم على بعض هذا في دخول الرجل بيت نفسه يسلم على أهله ، ومن في بيته قال قتادة : إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهم أحق من سلمت عليه ، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل السلام علينا ، وعلى عباد اللّه الصالحين السلام على أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته ، حدثنا أن الملائكة ترد عليه وقال ابن عباس إذا لم يكن في البيت أحد ، فليقل السلام علينا من ربنا السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين السلام على أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته وعن ابن عباس في

قوله تعالى : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ قال : إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً قال ابن عباس حسنة جميلة

وقيل ذكر البركة والطيب هاهنا لما فيه من الثواب والأجر كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي عن اللّه أمره ونهيه وآدابه.

قوله عز وجل :

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)

﴿ ٥٩