٢٩قوله عز وجل : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ الآية. (ذكر القصة في ذلك) قال المفسرون : لما مات أبو طالب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان في حياته يحوطه وينصره ويمنعه ممن يؤذيه ، فلما مات وجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحشة من قومه ، فخرج إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة له والمنعة من قومه فروى محمد بن إسحاق عن زيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال : لما انتهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف ، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم ، وهم إخوة ثلاثة : عبد ياليل ، ومسعود ، وحبيب بنو عمير. وعندهم امرأة من قريش من بني جمح ، فجلس إليهم ، فدعاهم إلى اللّه وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال له أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان اللّه أرسلك. وقال الآخر : ما وجد اللّه أحدا يرسله غيرك وقال الثالث : لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من اللّه كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام وإن كنت تكذب على اللّه فما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : (إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي) وكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلغ قومه فيزيد ذلك في تجرئهم عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم فجعلوا يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع إليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه ، فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه منهم ، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف وقد لقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلك المرأة التي من بني جمح فقال لها : ماذا لقينا من أحمائك؟ فلما اطمأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، فأنت رؤوف وأنت أرحم الراحمين ، وأنت رب المستضعفين ، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني ، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك) فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له : خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل وقل له يأكل منه. ففعل عداس ذلك ثم أقبل بالطبق حتى وضعه بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له : كل. فلما رفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يده قال : بسم اللّه ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال واللّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ فقال : أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس : وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي. فأكبّ عداس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقبل رأسه ويديه وقدميه قال فقال أحد ابني ربيعة : أما غلامك ، فقد أفسده عليك. فلما جاءهم عداس قال له : ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال : يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل. لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. فقال له : ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن دينك خير من دينه ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف حتى إذا كان ببطن نخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من جن نصيبين كانوا قاصدين اليمن وذلك حين منعوا من استراق السمع من السماء ورموا بالشهب فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين وقد آمنوا به وأجابوا لما سمعوا القرآن فقص اللّه خبرهم عليه فقال تعالى : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ وفي الآية قول آخر وسيأتي في سورة الجن وهو حديث مخرج في الصحيحين من حديث ابن عباس. وروي أن الجن لما رجموا بالشهب بعث إبليس سراياه ليعرف الخبر فكان أول بعث بعث من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وساداتهم فبعثهم إلى تهامة. وقال أبو حمزة : بلغنا أنهم من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وهم عامة جنود إبليس فلما رجعوا إلى قومهم قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا وقال جماعة : بل أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى اللّه ويقرأ عليهم القرآن فصرف اللّه عز وجل إليه نفرا من الجن وهم من أهل نينوى وجمعهم له فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فأيكم يتبعني فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فتبعه عبد اللّه بن مسعود قال عبد اللّه بن مسعود لم يحضر معه أحد غيري قال : فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شعبا يقال له شعب الحجون وخط لي خطا ثم أمرني أن أجلس فيه وقال : لا تخرج منه حتى أعود إليك فانطلق حتى قام عليهم فافتتح القرآن فجعلت أرى مثال النسور تهوي وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى لا أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ففرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم مع الفجر فانطلق إليّ فقال لي نمت ف قلت : لا واللّه يا رسول اللّه لقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول لهم اجلسوا فقال : لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم ثم قال : هل رأيت شيئا؟ قلت : نعم رأيت رجالا سودا عليهم ثياب بيض قال أولئك جن نصيبين سألوني المتاع والمتاع الزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة فقالوا يا رسول اللّه يقذرها الناس علينا فنهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يستنجي بالعظم والروث قال : فقلت يا رسول اللّه وما يغني ذلك عنهم؟ فقال : إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ف قلت : يا رسول اللّه سمعت لغطا شديدا فقال إن الجن تدارأت في قتيل قتل بينهم فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم بالحق قال ثم تبرز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأتاني فقال لهم معك ماء؟ قلت : يا رسول اللّه معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر فاستدعاه فصببت على يديه فتوضأ وقال : تمرة طيبة وماء طهور. قال قتادة : ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط فأفزعوه حين رآهم ثم قال أظهروا؟ فقيل له : إن هؤلاء قوم من الزط. فقال : ما أشبههم بالنفر. الذين صرفوا إلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الجن قلت حديث التوضؤ بنبيذ التمر ضعيف ذكره البيهقي في كتابه الخلافيات بأسانيده وأجاب عنها كلها. والذي صح عن علقمة قال : قلت لابن مسعود : هل صحب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الجن منكم أحد؟ قال : ما صحبه منا أحد ولكنا كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة فقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا يا رسول اللّه فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا ليلة بات قوم قال أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال : فانطلق بنا فأرنا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم اللّه عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن. زاد في رواية قال الشعبي : وكانوا من جن الجزيرة أخرجه مسلم في صحيحه وأما تفسير الآية : فقوله تعالى : وإذ صرفنا إليك الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعني واذكر إذ بعثنا إليك يا محمد نفرا من الجن. واختلفوا في عدد أولئك النفر فقال ابن عباس : كانوا سبعة من جن نصيبين فجعلهم رسول اللّه رسلا إلى قومهم. وقال آخرون : كانوا تسعة. وروي عن زر بن حبيش قال : كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. وروي أن الجن ثلاثة أصناف : صنف منهم لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء وصنف على صور الحيات والكلاب وصنف يحلون ويظعنون ونقل بعضهم أن أولئك الجن كانوا يهودا فأسلموا. قالوا في الجن ملل كثيرة مثل الإنس ففهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام وفي مسلمهم مبتدعة ومن يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ذلك من المذاهب والبدع وأطبق المحققون من العلماء على أن الكل مكلفون. سئل ابن عباس هل للجن ثواب؟ فقال : نعم وعليهم عقاب يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ الضمير يعود إلى القرآن يعني : فلما حضروا القرآن وقيل يحتمل أنه يعود على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم. ويكون المعنى : فلما حضروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. لأجل استماع القرآن قالُوا أَنْصِتُوا يعني قال بعضهم لبعض اسكتوا لنسمع قراءته ولا يحول بيننا وبين سماعه شيء فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع بعضهم على بعض من شدة حرصهم على سماعه فَلَمَّا قُضِيَ أي فرغ من قراءته وَلَّوْا أي رجعوا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ يعني داعين لهم إلى الإيمان مخوفين لهم من المخالفة ذلك بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم وذلك بعد إيمانهم لأنهم لا يدعون غيرهم إلى سماع القرآن والتصديق إلا بعد إيمانهم به وتصديقهم له. قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) |
﴿ ٢٩ ﴾