٣

{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} اعلم أنّ حقيقة الإيمان هي التصديق بالقلب،

لأن الخطاب الذي توجّه عليها بلفظ آمنوا إنّما هو بلسان العرب،

ولم يكن العرب يعرفون الإيمان غير التصديق،

والنقل في اللغة لم يثبت فيه،

إذ لو صح النقل عن اللغة لروي عن ذلك،

كما روي في الصلاة التي أصلها الدعاء.

إذا كان الأمر كذلك وجب علينا أن نمتثل الأمر على ما يقتضيه لسانهم،

كقوله تعالى في قصة يعقوب ج وبنيه {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} : أي بمصدق لنا ولو كنّا صادقين،

ويدل عليه من هذه الآية أنّه لما ذكر الإيمان علّقه بالغيب،

ليعلم أنّه تصديق الخبر فيما أخبر به من الغيب،

ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات اللازمة للأبدان وفي الأموال فقال : {وَيُقِيمُونَ الصلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} والدليل عليه أيضاً أنّ اللّه تعالى حيث ما ذكر الإيمان (نسبه) إلى القلب فقال : {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} ،

وقال : {وَقَلْبُهُ مُطْمَ نُّ بِالإيمان} ،

وقال : {أُولَاكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ} ،

ونحوها كثير.

فأما محل الإسلام من الإيمان فهو كمحل الشمس من الضوء : كل شمس ضوء،

وليس كل ضوء شمساً،

وكل مسك طيب،

وليس كل طيب مسكاً،

كذلك كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيماناً،

إذا لم يكن تصديقاً؛ لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع،

يدل عليه قوله تعالى : {قَالَتِ اعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَاكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} من خوف السيف،

وقول النبي (صلى اللّه عليه وسلم) (الإيمان سراً) وأشار إلى صدره (والإسلام علانية)،

وقوله (صلى اللّه عليه وسلم) (يا معشر من أسلم بلسانه،

ولم يدخل الإيمان في قلبه).

وكذلك اختلف جوابه لجبرائيل في الإسلام والإيمان،

فأجاب في الإيمان بالتصديق،

وفي الإسلام بشرائع الإيمان،

وهو ما روى أبو بريده،

وهو يحيى بن معمر قال : أول من قال في القدر بالبصرة سعيد الجهني،

فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجّين أو معتمرين،

فقلنا : لو لقينا أحداً من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) فسألناه عما يقول هو : ما في القدر؟

فوافقنا عبد اللّه ابن عمر بن الخطاب داخلا المسجد،

فاكتنفته أنا وصاحبي،

أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام لي،

فقلت : أبا عبد الرحمن،

إنّه قد ظهر قبلنا أناس يقرأون القرآن ويفتقرون (إلى) العلم وذكر من لسانهم أنّهم يزعمون أن لا قدر،

وأنّ الأمر أنفٌ،

فقال : إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنّهم برءاء مني،

والذي يحلف به عبداللّه ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذَهَباً فأنفقه ما قبل اللّه منه حتى يؤمن بالقدر.

ثم قال : أخبرنا أبي عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) ذات يوم،

إذ طلع علينا رجل شديد بيّاض الثياب،

شديد سواد الشعر،

لا يرى عليه أثر السفر،

ولا يعرفه منا أحد،

حتى جلس إلى النبي (صلى اللّه عليه وسلم) وأسند ركبته إلى ركبته،

ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام؟

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) (الإسلام أن يشهد أن لا إله إلاّ اللّه،

وأنّ محمداً رسول اللّه،

وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة،

وتصوم شهر رمضان،

وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)،

قال : صدقت،

قال : فعجبنا له يسأله ويصدّقه قال : فأخبرني عن الإيمان؟

قال : (أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،

وتؤمن بالقدر خيره وشره).

قال : فأخبرني عن الإحسان؟

قال : (أن تعبد اللّه كأنّك تراه،

فإن لم تكن تراه فإنّه يراك)،

قال : فأخبرني عن الساعة؟

قال : (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)،

قال : فأخبرني عن إماراتها؟

قال : (أن تلد الأَمة ربتها،

وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة شاهقون في البنيان)،

قال : ثم انطلق،

فلبث علينا ثم قال : يا عمر من السائل؟

قلت : اللّه ورسوله أعلم،

قال : (فإنّه جبرائيل ج أتاكم ليعلمكم دينكم).

ثم يسمى اقرار اللسان وأعمال الأبدان إيماناً بوجه من المناسبة وضرب من المقاربة؛ لأنها من شرائعه وتوابعه وعلاماته وإماراته كما نقول : رأيت الفرح في وجه فلان،

ورأيت علم زيد في تصنيفه؛ وإنّما الفرج والعلم في القلب،

وقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) (الإيمان بضع وسبعون باباً،

أدناها إماطة الأذى عن الطريق،

وأعلاها شهادة أن لا إله إلاّ اللّه).

وعن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه وسلم) قال : (الإيمان بضع وسبعون شعبة،

والحياء شعبة من الإيمان).

الحسن بن علي قال : حدثني علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) (الإيمان معرفة بالقلب،

وإقرارٌ باللسان،

وعمل بالأركان).

وعن علي بن الحسين زين العابدين قال : حدثنا أبي سيد شباب أهل الجنة قال : حدثنا أبي سيد الأوصياء قال : حدثنا محمّد سيد الأنبياء قال : (الإيمان قول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول واتباع الرسول).

وامّا الغيب فهو ما كان مغيّباً عن العيون محصّلاً في القلوب وهو مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب،

كما قيل للصائم : صوم،

وللزائر : زَور،

وللعادل : عدل.

الربيع بن أبي العالية {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} قال : يؤمنون باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه،

ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث،

فهذا غيب كلّه.

عمر بن الأسود عن عطاء بن أبي رباح : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} قال : باللّه،

من آمن باللّه فقد آمن بالغيب.

سفيان عن عاصم بن أبي النجود في قوله {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} قال : الغيب : القرآن. وقال الكلبي : بما نزل من القرآن وبما لم يجىء بعد.

الضحاك : الغيب لا إله إلاّ اللّه وما جاء به محمّد (صلى اللّه عليه وسلم) وقال زرّ بن حبيش وابن جريج وابن واقد : يعني بالوحي،

نظيره قوله تعالى : {أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} وقوله : {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} وقوله : {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} .

الحسن : يعني بالآخرة. عبد اللّه بن هاني : هو ما غاب عنهم من علوم القرآن.

وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) انه قال : كنت مع النبي (صلى اللّه عليه وسلم) جالساً فقال : (أتدرون أي أهل الأيمان أفضل؟ ) قالوا : يا رسول اللّه الملائكة،

قال : (هم كذلك وحقّ لهم ذلك وما يمنعهم وقد أنزلهم اللّه تعالى بالمنزلة التي أنزلهم، بل غيرهم).

قلنا : يا رسول اللّه الأنبياء؟

قال : (هم كذلك وحقّ لهم ذلك وما يمنعهم، بل غيرهم)،

قلنا : يا رسول اللّه فمن هم؟

قال : (أقوام يأتون من بعدي هم في أصلاب الرجال فيؤمنون بي ولم يرونني،

يجدون الورق المعلَّق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً).

وروى حسن إن الحرث بن قيس عن عبداللّه بن مسعود : عند اللّه يحتسب ما سبقتمونا إليه يا أصحاب محمد من رؤية رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) فقال عبداللّه بن مسعود : نحن عند اللّه نحتسب إيمانكم بمحمد (صلى اللّه عليه وسلم) ولم تروه،

ثم قال عبداللّه : إنّ أمر محمد كان بيّناً لمن رآه والذي لا اله الاّ هو ما آمن مؤمن أفضل من إيمان الغيب،

ثمّ قرأ : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصلاةَ} أي يديمونها ويأتمونها ويحافظون عليها بمواقيتها وركوعها وسجودها وحقوقها وحدودها،

وكل من واظب على شيء وقام به فهو مقيم له يقال أقام فلان الحجّ بالناس،

وأقام القوم (سوقهم) ولم يعطلوها قال الشاعر :

فلا تعجل بأمرك واستدمه

فما صلّى عصاك (كمستديم)

أي أراد بالصلاة هاهنا الصلوات الخمس،

فذكرها بلفظ الواحد،

كقوله : {فَبَعَثَ اللّه النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} أراد الكتب،

وأصل الصلاة في اللغة : الدّعاء،

ثمّ ضمّت إليها (عبادة) سُميت مجموعها صلاة لأن الغالب على هذه العبادة الدّعاء.

وقال أبو حاتم الخارزمي : اشتقاقها من الصِلا وهو النار،

فأصله من الرفق وحُسن المعاناة للشيء؛ وذلك إنّ الخشبة المعْوّجة إذا أرادوا تقويمها (سحنوها بالنار) قوموها (بين خشبتين) فلذلك المصلّي ينبغي أن يتأنى في صلاته ويحفظ حدودها ظاهراً وباطناً ولا يعجّل فيها ولا يخفّ (ولا يعرف) قال الشاعر :

فلا تعجّل بأمرك واستدمه

فما صلّى عصاك كمستديم

أي ما قوّم أمرك كالمباني.

{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أعطيناهم،

والرزق عند أهل السنّة : ما صحّ الإنتفاع به،

فإن كان طعاماً فليتغدّى به،

وان كان لباساً فلينقى والتوقي،

وإن كان مسكناً فللانتفاع به سكنى،

وقد ينتفع المنتفع بما هيّئ الانتفاع به على الوجهين : حلالا وحراماً،

فلذلك قُلنا إنّ اللّه رزق الحلال والحرام،

(وأصل الرزق) في اللغة : هو الحظ والبخت.

{يُنفِقُونَ} يتصدقون،

وأصل الإنفاق : الإخراج عن اليد أو عن الملك. يُقال : نفق المبيع إذا كثر مشتروه وأسرع خروجه،

ونفقت الدآبة إذا خرجت روحها،

ونافقاء اليربوع من ذلك لأنه إذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وأنفق إن خرج منه،

والنفق : سُرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر يخرج إليه.

﴿ ٣