١٧

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللّه}

قال ابن عباس : لمّا أُسر أبي يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيّروه بكفره باللّه عز وجل وقطيعة الرحم وأغلظ عليٌّ له القول،

فقال العباس : إنكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا،

قال له علي : ألكم محاسن؟

قال : نعم،

إنا لنعمر المسجد ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك : العاني،

فأنزل اللّه تعالى رادّاً على العباس {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} يقول : ما ينبغي للمشركين أن يعمروا،

قرأت العامة بفتح الياء وضم الميم من عمر يعمر،

وقرأ ابن السميقع يُعمر بضم الياء وكسر الميم أي يعينوا على العمارة،

أو يجعلوه عامراً،

ويريد : إن المساجد إنما تعمر بعبادة اللّه وحده،

فمن كان باللّه كافراً فليس من شأنه أن يعمرها،

وقال الحسن : ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام.

واختلف القراء في قوله : (مساجد اللّه) قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وابن أبي رباح وحميد بن كثير وأبو عمرو : مسجد اللّه بغير ألف أرادوا المسجد الحرام،

واختاره أبو حاتم لقوله تعالى : {فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} ،

وقرأ الباقون (مساجد) بالألف على الجمع،

واختاره أبو عبيد لأنّه أعم القراءتين.

قال الحسن : فإنّما قال (مساجد اللّه) لأنّه قبلة المساجد كلها وأمامها،

وقال أبو حاتم أنّ عمران بن جدير قال لعكرمة : إنما يُقرأ : مساجد اللّه وإنّما هو مسجد واحد؟

فقال عكرمة : إن الصفا والمروة من شعائر اللّه،

وقال الضحاك ومجاهد : حدّث العرب بالواحد إلى الجمع والجمع إلى الواحد،

ألاترى الرجل على البرذون يقول ركبت البراذين؟

ويقال للرجل : إنّه لكثير الدر والذمار،

وتقول العرب : عليه أخلاق نعل واسمال ثوب. وأنشدني أبو الجراح العقيلي :

جاء الشتاء وقميصي أخلاق

وشرذم يضحك مني التواق

يعني : خَلِق.

وقوله : {شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} أراد وهم شاهدون،

فلمّا طرحت (وهم) نصبت،

وقال الحسن : يقولون : نحن كفار (نشهد) عليهم بكفرهم،

وقال السدّي : شهادتهم على أنفسهم بالكفر هي أن النصراني يُسأل : ما أنت فيقول : نصراني،

واليهودي فيقول : يهودي والصابئي،

فيقول : صابئي ويقال للمشرك : ما دينك؟

فيقول : مشرك.

وقال حمزة عن الضحاك عن ابن عباس : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم بأنّها مخلوقة،

وذلك أنّ كبار قريش نصبوا أصنامهم خارجاً من بيت اللّه الحرام عند القواعد،

وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون : لا نطوف وعلينا ثياب قد عملنا فيها بالمعاصي،

وكانوا يصفقون ويصفرون ويقولون : إن تغفر اللّهم تغفره جمّا،

وأي عبد لك لا ألمّا (...) سجدوا لأصنامهم فلم يزيدوا بذلك من اللّه إلاّ بعداً،

فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية {أُولَاكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِى النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} .

﴿ ١٧