٢٩{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} ، الحقُ : رفع على الحكاية، وقيل : هو رفع على خبر ابتداء مضمر معناه : وقل هو الحقّ من ربكّم، يعني : ما ذكر من القرآن والإيمان وشأن محمد (صلى اللّه عليه وسلم) وقيل : هو رفع على الابتداء وخبره في قوله {مِن رَّبِّكُمْ} ، ومعنى الآية : وقل يا محمّد لهؤلاء الّذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيُّها الناس، مِن ربكم الحقُّ، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الضلالة والهدى، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر ليس إليّ من ذلك شيء، ولست بطارد المؤمنين لكم، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا؛ فإنكم إن كفرتم فقد أعدّ لكم ربكم على كفركم ناراً أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتم وأطعتم فإن لكم ما وصف اللّه عزّ وجلّ لأهل طاعته. وقوله : {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} ليس بترخيص وتخيير، إنما هو وعيد وتهديد، كقوله : {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} . قال ابن عباس : من شاء اللّه له الاِيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر، وهو قوله : {وما تشاؤون إلاّ أن يشاء اللّه} . {إِنَّآ أَعْتَدْنَا} : أعددنا وهيّأنا، من العتاد، وهو العدّة {لِلظَّالِمِينَ} : للكافرين {نَارًا} ، وفيه دليل على أن النار مخلوقة؛ لأنها لو لم تكن مخلوقة موجودة معدّة لكان المخبر كذّاباً، وتعالى اللّه عن ذلك. وقوله : {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} ، روى سعيد الخدري عن النبّي (صلى اللّه عليه وسلم) أنه قال : (سرادق النار أربعة جدر كُثُف، كل واحد مسيرة أربعين سنة). وقال ابن عباس : هو حائط من نار. الكلبي : هو عَنَق يخرج من النار فيحيط بالكفّار كالحظيرة. وقال القتيبي : السّرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. قال رؤبة : يا حكم بن المنذر بن الجارودْ سرادق المجد عليك ممدودْ وقال سلامة بن جندل : هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردق وهو هاهنا دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره اللّه في سورة المرسلات : {انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِى ثَلَاثِ شُعَبٍ} . {وَإِن يَسْتَغِيثُوا} من شدة العطش {يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ} ، روى أبو مسلم عن أبي سعيد عن النبيّ (صلى اللّه عليه وسلم) {بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ} قال : (كعُكر الزّيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه). وقال ابن عباس : ماء غليظ مثل دردي الزيت. وقال الأعمش : هو عصارة الزيت. ومجاهد : القيح والدم. قال الضحّاك : المهل ماء أسود، وإن جهنم سوداء، ماؤها أسود، وشجرها أسود، وأهلها سود. وقال أبو عبيدة : كل ما أُذيب من جواهر الأرض. وروى روح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة قال : ذكر لنا أن ابن مسعود أُهديت له سقاية من ذهب وفضّة، فأمر بأُخدود فخُدّ في الأرض، ثمّ قذف فيه من جزل الحطب، ثمّ قذف فيه تلك السقاية، فلما أزبدت وانماعت، قال لغلامه : ادعُ من بحضرتك من أهل الكوفة. فدعا رهطاً، فلما دخلوا عليه قال : أترون هذا؟ قالوا : نعم. قال : ما رأينا في الدنيا شبهاً بالمهل أدنى من هذا الذهب والفضّة حين أزبد وانماع. وقال سعيد بن جبير : المهل الذي قد انتهى حرّه. وقال أبو عبيدة : سمعت المنتجع بن نبهان وذكر رجلاً، فقال : هو أبغض إلىّ من الطليا والمهل، فقلت له : ما المهل؟ قال : الملّة التي تحدّد من جوانب الرغيّف من النار، أحمر شديد الحمرة كأنّها الرمانة، وهي جمرة والطليا : الناقة المطليّة بالقطران. {يَشْوِى الْوُجُوهَ} ، قال سعيد بن جبير : إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزّقوم فيأكلون منها فاختلست جلودهم ووجوههم، فلو ان مارّاً مرّ يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها، ثمّ يصّب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. {بِئْسَ الشَّرَابُ} هذا، {وَسَآءَتْ} النار {مُرْتَفَقًا} ، قال ابن عباس : منزلاً. مجاهد : مجتمعاً. عطاء : مقرّاً. وقيل : مهاداً. وقال القتيبي : مجلساً. وأصل : المرتفق المتّكأ، يقال منه : ارتفقت، إذا اتّكأت على المرتفق. قال الشاعر : قالت له وارتفقت ألا فتى يسوق بالقوم غزالات الضحى ويقال : ارتفق الرجل، إذا بات على مرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذويب الهذلي : نام الخلي وبتّ الليل مرتفقاً كأن عيني فيها الصاب مذبوح أي مقطوع من معتضده، والصاب : شجر اذا استؤصل خرج منه كهيئة اللبن، وربما ترتفع منه تربة أي فطرة، فيقع في العين فكأنها شهاب نار، وربما أضعف البصر. ويجوز أن يكون قوله : {مُرْتَفَقًا} من الرفق والمنفعة. |
﴿ ٢٩ ﴾