٣٠{إِنِّى عَبْدُ اللّه} فأقرّ على نفسه بالعبودية للّه تعالى أول ما تكلم تكذيباًللنصارى وإلزاماً للحجة عليهم. قال عمرو بن ميمون : إن مريم لما أتت قومها بعيسى اخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا : ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان. روي عن النبي (صلى اللّه عليه وسلم) أنه قال : خمسة تكلّموا قبل إباّن الكلام : شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأُخدود. فأمّا شاهد يوسف فقد مرَّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة، فأخبرنا عبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال : حدَّثنا داود بن سليمان قال : حدَّثنا عبد بن حميد قال : حدَّثنا الحسن بن موسى قال : حدَّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) لمّا أُسري به مرّت به رائحة طيبة فقال : يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟ قال : ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت : بسم اللّه، فقالت ابنته : أبي؟ فقالت : لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك. فقالت : أخبر بذلك أبي قالت : نعم، فأخبرته فدعا بها فقال : من ربّك؟ قالت : ربّي ورّبك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأُحميت فدعا بها وبولدها فقالت : إن لي إليك حاجة قال : ما هي؟ قالت : تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعاً فقال : ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحداً واحداً حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعاً فقال : اصبري يا أُماه فإنّا على الحق، قال : ثم أُلقيت مع ولدها. وأمّا صاحب جريح فأخبرنا عبد اللّه بن حامد الاصبهاني قال : أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال : حدَّثنا أحمد بن الخليل قال : حدَّثنا يونس بن محمد المؤدب، قال : حدَّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه وسلم) وأخبرنا عبد اللّه (بن حامد) قال : أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال : حدَّثنا راشد بن سليمان قال : حدَّثنا عبد بن حميد قال : حدَّثنا هاشم بن القاسم قال : حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه وسلم) (أنّ رجلاً يقال له جريح كان راهباً يتعبّد في صومعته فأتته أُمّه لتسلّم عليه فنادته : يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال : أُمّي وصلاتي لرّبي، أُوثر صلاتي لربّي على أُمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته : يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت : إنّه أبى أن يكلّمني، اللّهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال : ولو دعت عليه أن يفتن لفتن). قال : وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاماً فقيل لها : ممّن هذا؟ فقالت : من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرَّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أُمّه، فقالوا : لم يضحك حين مرَّ على الزواني ؟ فلمّا أُدخل على ملكهم قال جريح : أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح : مَنْ أبوك؟ قال : أبي فلان الراعي، فابرأ اللّه سبحانه جريحاً وأعظمه الناس، وقالوا : نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال : لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه. وأمّا ولد صاحبة الأُخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء اللّه. {الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى} يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل : إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما سئل النبي (صلى اللّه عليه وسلم) متى كُتبتَ نبياً؟ قال : (كُتبتُ نبياً وآدم بين الروح والجسد). وقيل : معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أُمّي. |
﴿ ٣٠ ﴾