٣٠-٣٢{ليوفيهم أُجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفورٌ شكورٌ والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه إنّ اللّه بعباده لخبيرٌ بصير ثم} مردود إلى ما قبله من كتب اللّه في قوله : {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} ، أي قبله من الكتب السالفة، أي أنزلنا تلك الكتب، {ثُمَّ أَوْرَثْنَا} هذا {الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} ، ويجوز أن تكون {ثُمَّ} بمعنى الواو أي (وأورثنا) كقوله : {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا} أي وكان ومعنى و {أَوْرَثْنَا} : أعطينا؛ لأنّ الميراث عطاء، قاله مجاهد، وقال بعض أهل المعاني : {أَوْرَثْنَا} أي أخرنا، ومنه الميراث؛ لأنه تأخر عن الميت ومعناه : أخرنا القرآن عن الأُمم السالفة وأعطيناكموه وأهّلناكم له، و قال عنترة : وأورثت سيفي عن حصين بن معقل إلى جده إني لثأري طالب أي أخرت، وفي هذا كرامة لأُمة محمد (صلى اللّه عليه وسلم) حيث قال لهم : {أَوْرَثْنَا} وقال : لسائر الأُمم {وَرِثُوا الْكِتَابَ} الآية يعني القرآن. {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وهم أمة محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم). ثم قسمهم ثلاث طبقات ورتبهم على ثلاث درجات فقال اللّه تعالى : {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قيّد اللفظ وعَلّق الظلم بالنفس؛ فلذلك ساغ أن يكون من أهل الاصطفاء مع ظلمه. فإن قيل : ما وجه الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق وإنما يقدم الأفضل؟ فالجواب عنه أن نقول : إنما أُخر السابق ليكون أقرب إلى الجنان والثواب، كما قدم الصوامع والبيع والصلوات في سورة الحج على المساجد التي هي أفضل بقاع الأرض، فتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب وتكون المساجد أقرب إلى ذكر اللّه تعالى. ومنهم من قال : إنما جعل ذلك؛ لأن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى على الأفضل. كقوله تعالى : {إنّ ربك لشديد العقاب وإنه لغفورٌ رحيم} ، وقال : {يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ} ، وقال : {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ} وقال : {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحياةَ} . وقيل : قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر الصادق (عليه السلام) : (بدأ بالظالم إخباراً أنه لا يتقرب إليه إلاّ بصرف رحمته وكرمه، وأنّ الظلم لا يؤثّر في الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين؛ لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر اللّه وكلّهم في الجنة بحرمه كلمة الإخلاص). وقال بعضهم : قدم الظالم؛ لأنه لم يكن له شيء يتكل عليه إلاّ رحمة اللّه فاعتمد على اللّه واتكل على رحمته واتكل المقتصد على حسن ظنه بربه واتكل السابق على حسناته وطاعته. وقال محمد بن علي الترمذي : جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء؛ لأنّ الاصطفاء أوجب الإرث لا الإرث أوجب الاصطفاء؛ لذلك قيل : صحح النسبة ثم اطمع في الميراث. وقال أبو بكر الوراق : إنما رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس؛ لأنّ أحوال العبد ثلاث : معصية، وغفلة، ثم توبة وقربة. فإذا عصى دخل في حيّز الظالمين، وإذا تاب دخل في جملة المقتصدين وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة اتصل باللّه ودخل في عداد السابقين. واختلف المفسرون والمتأوّلون في معنى الظالم والمقتصد والسابق فأكثروا، وأنا ذاكر نصوص ما قالوا وباللّه التوفيق : أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن محمّد بن الحسين بن عبد اللّه الحافظ، قال : حدّثنا برهان ابن علي الصوفي والفضل بن الفضل الكندي قالا : أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب قال : حدثنا محمد بن كثير قال : أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي ثابت أنّ رجلاً دخل المسجد فقال : اللّهم ارحم غربتي وآنس وحشتي ويسر لي جليساً صالحاً. قال أبو الدرداء : لئن كنت صادقاً لأنا أسعد بذلك منك، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) قرأ هذه الآية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللّه} ، فقال : (أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيُحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثم يدخل الجنة، فهم (الذين) قالوا : {الْحَمْدُ للّه الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} إلى قوله : {لُغُوبٌ} . قال الكندي والأعمش عن رجل عن أبي ثابت : وأخبرني الحسين بن محمد قال : أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل حدّثني أبي عن إسحاق بن عيسى حدّثني أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة عن موسى بن عتبة عن علي بن عبد اللّه الأزدي عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) يقول : (قال اللّه عز وجل : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللّه} ، فأما الذين سبقوا بالخيرات فأُولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأُولئك يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأُولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلقّاهم اللّه برحمته فهم الذين يقولون : {الْحَمْدُ للّه الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} إلى قوله : {لُغُوبٌ} وأخبرني الحسين قال : حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن سمعان الذرار قال : حدّثنا يوسف بن يعقوب بن الحسن المقرئ بواسط قال : حدّثنا محمّد بن خالد بن عبد اللّه المزني قال : حدّثنا فرج بن فضالة عن أزهر بن عبد اللّه الحرازي قال : حدّثني من سمع عثمان بن عفان تلا هذه الآية : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية، فقال : سابقنا : أهل جهادنا، ومقتصرنا : أهل حضرنا، وظالمنا : أهل بدونا. وأخبرني الحسين قال : حدّثنا عمر بن الخطاب قال : حدّثنا محمد بن إسحاق قال : حدّثنا إسماعيل بن يزيد قال : حدّثنا داوُد عن الصلت بن دينار قال : حدّثنا عقبة بن صهبان قال : دخلت على عائشة فسألتها عن قول اللّه عز وجل : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} فقالت لي : يا بني كلّهم في الجنة؛ أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) شهد له رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا. وقال مجاهد والحسن وقتادة : {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قالوا : هم أصحاب المشأمة، {وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} هم أصحاب الميمنة {وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللّه} هم السابقون المقربون من الناس كلهم. قال قتادة : فهذا في الدنيا على ثلاث منازل وعند الموت قال اللّه تعالى : {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} إلى قوله : {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} ، وفي الآخرة أيضاً، قال عز وجل : {وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة} إلى قوله : {الْمُقَرَّبُونَ} . وقال ابن عباس : السابق : المؤمن المخلص، والمقتصد : المرائي، والظالم : الكافر بنعمة اللّه غير الجاحد لها؛ لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال : |
﴿ ٣١ ﴾