٣١-٣٢

{وهو أعلم بمن اهتدى وللّه ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين آساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللمم} اختلفوا في معنى {إِلا} فقال قوم : هو استثناء صحيح،

واللمم من الكبائر والفواحش،

ومعنى الآية : إلاّ ان يلم بالفاحشة ثم يتوب وتقع الوقعة ثم ينتهي،

وهو قول أبي هريرة ومجاهد والحسن وأبي صالح،

ورواية عطاء عن ابن عباس قال : هو الرجل يلمّ بالفاحشة ثم يتوب قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) :

إن تغفر اللّهم تغفر جمّا

وأي عبد لك لا ألمّا

وقال عبداللّه بن عمرو بن العاص : اللمم : ما دون الشرك.

وقال آخرون : هو استثناء منقطع مجازه : لكن اللمم،

ولم يجعل اللمم من الكبائر والفواحش،

ثم اختلفوا في معناه،

فقال بعضهم : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به،

وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنما كانوا بالأمس يعملون معنا،

فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية،

وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه،

وروى الوالبي عن ابن عباس،

وقال بعضهم : هو صغار الذنوب مثل النظرة والغمزة والقُبلة،

وهو من ألمّ بالشيء إذا لم يتعمق فيه ولم يلزمه،

وهو قول ابن مسعود ومسروق والشعبي وأبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان،

ورواية طاووس عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه وسلم) (إن اللّه عز وجل كتب على ابن آدم حظّه من الزنا أدركه ذلك لا محالة،

فزنا العينين النظر،

وزنا اللسان المنطق،

وزنا الشفتين التقبيل،

وزنا اليدين البطش،

وزنا الرجلين المشي،

والنفس تتمنى وتشتهي،

والفرج يصدق أو يكذبه،

فإنْ تقدّم بفرجه كان زانياً وإلاّ فهو اللمم).

وقال ابن الزبير وعكرمة وقتادة والضحاك : هو ما بين الحدّين : حدّ الدنيا وعذاب الآخرة،

وهي رواية العوفي والحكم بن عيينة عن ابن عباس،

وقال الكلبي : اللمم على وجهين،

كل ذنب لم يذكر عليه حدّاً في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة،

فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر،

والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلمّ به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه،

وقال مقاتل : اللمم ما بين الحدّين من الذنوب. ( نزلت في نبهان التمار وقد مضت القصة في سورة آل عمران،

وقال عطاء بن أبي رياح : اللمم عباده النفس الحين بن الحين،

وقال سعيد بن المسيب : هو ما لمّ على القلب،

اي حظر،

وقال محمد بن الحنفية : كل ما هممت به من خير أو شرّ فهو لمم.

ودليل هذا التأويل الخبر المروي (إنّ للشيطان لمّة،

وللملك لمّة،

فلمّة الشيطان الوسوسة،

ولمّة الملك الإلهام)

وقال الحسين بن الفضل : اللمم : النظرة من غير تعمد،

وهو مغفور،

فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب،

وقال الفرّاء : اللمم : المتقارب من صغار الذنوب،

وأصل اللمم والإلمام هو ما يعمله الانسان المرة بعد المرة،

والحين بعد الحين ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه. يقال : ألممتُ به إذا زرته وانصرفت،

المام الخيال،

قال الاعشى :

ألمّ خيال من قتيلة بعدما

وهى حبلها من حبلنا فتصرّما

وقال آخر :

أنى ألمّ بك الخيال يطيف

ومطافه لك ذكرة وشغوف

{إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} لا يتعاظمه ذنب،

نظيره {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ} .

أخبرني ابن فنجويه،

قال : حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي،

قال : حدّثنا أبو عبداللّه محمد بن عبداللّه بن محمد بن النعمان بن عبدالسلام الأصفهاني قال : حدّثنا محمد بن عاصم،

قال : حدّثنا يزيد بن هارون،

قال : أخبرنا العوام بن حوشب عن عمرو بن مرة عن أبي وائل قال : رأى أبو مسيرة عمرو بن شرحبيل،

وكان من أفاضل أصحاب عبداللّه في المنام قال : رأيت كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة فقلت : لمن هذه؟

فقالوا : لذي الكلاع وحوشب وكانا ممن قتل مع معاوية فقلت فأين عمار وأصحابه؟

فقالوا : أمامك،

قلت : وقد قتل بعضهم بعضاً؟

: إنهم لقوا اللّه سبحانه فوجدوه واسع المغفرة.

قال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثنتي عشر ألف بنت.

{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأرض} أي خلق أباكم من التراب {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} جمع جَنين،

وهو الولد ما دام في البطن،

سمّي جنيناً لاجتنانه أي استتاره.

روى مسروق عن عائشة خ قالت : كانت اليهود إذا هلك لهم صديق قالوا : هو صديق. فبلغ ذلك النبي (صلى اللّه عليه وسلم) وقال : (كذبوا ما من نسمة يخلقها اللّه سبحانه في بطن أمها إلاّ شقي أو سعيد) فأنزل اللّه سبحانه {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} .

{فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} قال ابن عباس : لا تمدحوها. مجاهد وزيد بن أسلم : فلا تبرِّئوها،

وقال الكلبي ومقاتل : كان أُناس يعملون أعمالا خبيثة ثم يقولون : صلاتنا وصيامنا وحجّنا. فأنزل اللّه سبحانه هذه،

وقال النبي (صلى اللّه عليه وسلم) (إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب.

{هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} الشرك فآمن،

وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : يعني عمل حسنة وارعوى عن سيئة،

وقال الحسن : أخلص العمل للّه.

﴿ ٣٢