٤٢{يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} أي عن أمر شديد فظيع، وهو إقبال الآخرة. قرأه العامة بياء مضمومة، وقرأ ابن عباس بتاء مفتوحة، أي يكشف القيامة عن ساقها. وقرأ الحسن بتاء مضمومة {عَن سَاقٍ} أي عن أمر شديد فظيع، وهو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا وهذا من باب الإستعارة، يقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى جد وجهد ومعاناة ومقاساة للشدة : شمّر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة. قال دريد بن الصمّة يرثي رجلا : كميش الازار خارج نصف ساقه صبور على الجلاء طلاع أنجد ويقال للأمر إذا اشتدّ وتفاقم وظهر وزالت عماه : كشف عن ساقه، وهذا جائز في اللغة، وإن لم يكن للأمر ساق وهو كما يقال : أسفر وجه الأمر، واستقام صدر الرأي. قال الشاعر يصف حرباً : كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصراح وأنشد ابن عباس : اصبر عناق أنّه شرّ باق قد سنّ لي قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق. وقال آخر : قد كشفت عن ساقها فشدّوا وجدت الحرب بكم فجدّوا والعرب تقول له : الحرب كشفت عن ساقها. قال الشاعر : عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طراد الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها حمراء تبري اللحم عن عراقها ونحو ذلك قال أهل التأويل. أخبرنا أبو بكر بن عبد أوس، أخبرنا أبو الحسن محفوظ، حدّثنا عبد اللّه بن هاشم، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفير عن عاصم، عن سعيد بن جبير : {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال : عن شدّة الأمر. وقال ابن عباس : هي أشد ساعة في يوم القيامة. وقال الربيع عن العطا : أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن جعفر بن سلم الجتلي، حدّثنا محمد بن عمر وابن مسعدة البيروتي، حدّثنا محمد بن الوزير السلمي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا روح بن جناح عن مولى عمر بن عبد العزيز عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري، عن النبيّ (صلى اللّه عليه وسلم) {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال : (نور عظيم يخرّون له سجّداً). أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن محمد الرومي يقرأ أبي عليه في مسجده يوم السبت لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدّثنا زهير بن محمد، حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدّثنا قريش بن حيان العجلي، حدّثنا بكر بن وائل عن الزهري عن أبي عبد اللّه الأغر عن أبي هريرة قال : قلنا : يا رسول اللّه هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال : (هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟). قلنا : لا. قال : (فهل تضارون في القمر ليلة البدر؟). قلنا : لا. قال : (فإنّكم ترون كذلك، إذا كان يوم القيامة جُمع الأوّلون والآخرون، ونادى مناد : من كان يعبد شياً فليلزمه، وترفع لهم آلهتهم التي كانوا يعبدون فتمضي ويتبعونها حتى يقذفهم في النار، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيقال لهم : ذهب الناس وبقيتم فيقولون : لنا ربّ لم نره بعد، قال : يقول هل تعرفونه؟ فيقولون : إن بيننا وبينه آية إذا رأيناه عرفناه، فيكشف لهم عن ساق فيخرون له سجداً، ويبقى أقوام ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون). أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم قراءة عليه في جمادي الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدّثنا أبو قلابة الرقاشي، حدّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، حدّثنا إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة، قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) (يأخذ اللّه تعالى للمظلوم من الظالم، حتى لا يبقى مظلمة عند أحد حتى أنه يكلف شائب اللبن بالماء ثمّ يتبعه أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق كلهم ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون اللّه فلا يبقى أحدٌ عبد شيئاً من دون اللّه إلاّ مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل اللّه ملكاً من الملائكة على صورة عزير، ويجعل اللّه ملكاً من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم، فيتبع هذا اليهود ويتبع هذا النصارى، ثمّ يلونهم، وقيل : تلونهم آلهتهم إلى النار، وهم الذين يقول اللّه تعالى : {لو كان هؤلاء آلهة لما وردوها وكلٌّ فيها خالدون} فإذا لم يبق إلاّ المؤمنون، وفيهم المنافقون قال اللّه لهم : ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون : ما لنا إله إلاّ اللّه وما كنا نعبد غيره، فينصرف اللّه تعالى فيمكث ما شاء أن يمكث، ثمّ يأتيهم فيقول : أيّها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون واللّه ما لنا إله إلاّ اللّه وما كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساق ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربّهم، فيخرون سجّداً على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه يجعل اللّه أصلابهم كصياصي البقر، ثمّ يضرب الصراط بين ظهراني جهنم). أخبرنا عقيل بن محمد بن أحمد أن أبا الفرج البغدادي القاضي، أخبرهم عن أبي جعفر الطبري، حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، حدّثنا أبي وشعيب بن الليث عن الليث، حدّثنا خالد بن يزيد بن أسلم عن أبي هلال، قال أبو جعفر : وحدثني موسى بن عبد الرحمن بن المسروقي، حدّثنا جعفر بن عون، حدّثنا هشام بن سعيد، حدّثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) (إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ألا ليلحق كل أمة بما كانوا يعبدون (فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كلّ آلهة مع آلهتهم) فلا يبقى أحد كان يعبد صنماً ولا وثناً ولا صورة إلاّ ذهبوا حتى يتساقطون في النار، ويبقى من كان يعبد اللّه وحده من بر وفاجر وغبرات من أهل الكتاب، ثمّ يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب يحطم بعضها، بعضاً ثمّ يدعى اليهود فيقال : ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون : عزير بن اللّه فيقول : كذبتم ما اتخذ اللّه من صاحبة ولا ولد فماذا تريدون؟ فيقولون : أي ربنا ظمئنا أسقنا فيقول : أفلا تردّون فيذهبون حتى يتساقطون في النار، ثمّ يدعى النصارى فيقول : ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون : المسيح ابن اللّه فيقول : كذبتم ما اتخذ اللّه من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون : أي ربّنا ظمئنا اسقنا، فيقول : أفلا تردّون فيذهبون فيتساقطون في النار، فيبقى مَن كان يعبد اللّه تعالى من بر وفاجر، ثمّ يأتي اللّه تعالى جل جلاله لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة، فيقول : أيها الناس لحقت كل أمة بما تعبد، ونحن ننظر ربنا الذي كنا نعبد، فيقول : أنا ربكم فيقولون : نعوذ باللّه منك، فيقول : هل بينكم وبين اللّه من آية تعرفونها؟ فيقولون : نعم، فيكشف عن ساق فيخرون سجداً للّه تعالى أجمعون، ولا يبقى من كان سجد في الدنيا سمعةً ورياءً ولا نفاقاً إلاّ صار ظهره طبقاً واحداً، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثمّ يدفع برّنا ومسيئنا وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أوّل مرّة، فيقول : أنا ربكم فيقولون : نعم أنت ربّنا ثلاث مرّات). وبه قال أبو جعفر بن جرير الطبري، حدّثنا أبو لهب، حدّثنا أبو بكر، حدّثنا الأعمش، عن المنهال عن قيس بن بكر، قال : حدثني عبد اللّه وهو عند عمر قال : إذا كان يوم القيامة يقوم الناس بين يدي رب العالمين أربعين عاماً، شاخصة أبصارهم إلى السماء، حفاة عراة يلجمهم العرق، ولا يُكلّمهم بشيء أربعين عاماً، ثمّ ينادي مناد : يا أيها الناس أليس عدلا من ربكم الذي خلقكم وصوّركم ورزقكم ثمّ عبدتم غيره أن يولي كل قوم ما تولوا؟ قالوا : نعم، قال : فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون اللّه فيتبعونها حتى تقذفهم في النار، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال : ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون : حتى يأتينا ربّنا، قال : وتعرفونه؟ قالوا : إن اعترف لنا، قال : فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم فيخرّ من كان يعبده ساجداً ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنّ في ظهورهم السفافيد فيذهب بهم إلى النارويدخل هؤلاء الجنّة، فذلك قوله سبحانه وتعالى : {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فلا يستطيعون } |
﴿ ٤٢ ﴾