٤٠قوله جلّ ذكره : { إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّه إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّه مَعَنَا } . مِنْ عزيزِ تلك النصرة أنه لم يستأنِسْ بثانية الذي كان معه بل رد الصِّدِّيقَ إلى اللّه ، ونهاه عن مساكنته إياه ، فقالَ :( ما ظنُّك باثنين اللّه ثالثهما؟ ) . قال تعالى : { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّه مَعَنَا } . ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه في كشوفاته في تلك الحالة ، ولولا نصرتُه لتلاشى تحت سطواتِ كَشْفِه . ويقال كان - عليه السلام - أمانَ أهل الأرض على الحقيقة ، قال تعالى : { وَمَا كَانَ اللّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِم } [ الأنفال : ٣٣ ] ، وجعله - في الظاهر - في أمان العنكبوت حين نَسَجَ خَيْطَه على باب الغار فَخَلَّصَه من كيدهم . ويقال لو دخل هذا الغار لا تشقَّ نسيج العنكبوت . . . فيا عجباً كيف سَتَرَ قصةَ حبيبه - صلوات اللّه عليه وعلى آله وسلم؟! . ويقال صحيحٌ ما قالوا : للبقاع دول ، فما خَطَرَ ببالِ أحدٍ أنَّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيِّد - صلى اللّه عليه وسلم ! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ }[ البقرة : ١٠٥ ] . ويقال ليست الغِيران كلها مأوى الحيَّاتِ ، فمنها ما هو مأوى الأحباب . ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه ، وهو تعالى يقول : { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّه مَعَنَا } فهو سبحانه - وإن تقدَّس عن كل مكان - ولكن في هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد ، وأنشدوا : يا طالبَ اللّه في العرشِ الرفيعِ به ... لا تطلب العرشَ إن المجد في الغار وفي الآية دليل على تحقيق صحبة الصدِّيق - رضي اللّه عنه - حيث سمَّاه اللّه سبحانه صاحبَه ، وعَدَّه ثانِيه ، في الإيمان ثانية ، وفي الغار ثانيه ثم في القبر ضجيعه ، وفي الجنة يكون رفيقه . قوله جلّ ذكره : { فَأَنْزَلَ اللّه سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } . الكناية في الهاء من ( عليه ) تعود إلى الرسول عليه السلام ، ويحتمل أن تكون عائدةٌ إلى الصديق رضي اللّه عنه ، فإن حُمِلَتْ على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد ، فقد قال عز وجلّ لجميع المؤمنين : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين }[ الفتح : ٤ ] . وقال للصدِّيق - على التخصيص - فأنزل اللّه سكينته عليه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( إن اللّه يتجلّى للناس عامة ويتجلَّى لأبي بكر خاصة ) . وإنما كان حزنُ الصديقِ ذلك اليوم لأجل الرسول - صلى اللّه عليه وسلم إشفاقاً عليه . . لا لأجل نَفْسِه . ثم إنه - عليه السلام - نفى حزنه وسلاّه بأن قال : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّه مَعَنَا } ، وحُزْنٌ لا يذهب لِمَعِيَّة الحقِّ لا يكون إلاَّ ( لحقِّ الحق ) . قوله جلّ ذكره : { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّه هِىَ العُلْيَا وَاللّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ } . يريد به النبي صلى اللّه عليه وسلم . وتلك الجنودُ وفودُ زوائد اليقين على أسراره بتجلِّي الكشوفات . { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى } بإظهار حُجج دينه ، وتمهيد سُبُل حقِّه ويقينه؛ فراياتُ الحقِّ إلى الأبدِ عالية ، وتمويهات الباطل واهية ، وحِزْبُ الحقِّ منصورون ، ووفد الباطل مقهورون . ويقال لما خلا الصديق بالرسول عليه السلام في الغار ، وأشرقت على سِرِّه أنوار صحبة الرسول عليه السلام ، ووقع عليه شعاعُ أنواره ، واشتاق إلى اللّه تعالى لفَقْدِ قراره - أزال عنه لواعِجه بما أخبره مِنْ قُرْبه - سبحانه - فاستبدل بالقلق سكوناً ، وبالشوق أُنساً ، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة . ويقال كان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ثاني اثنين في الظاهر بشبه ولكن كان مُسْتَهْلَكَ الشاهد في الواحِد بِسِرِّه . |
﴿ ٤٠ ﴾