١١٢قوله جلّ ذكره : { التَّائِبُونَ العَابِدُونَ } . مَدَحَهُم بعد ما أوقع عليهم سِمَةَ الاشتراء بقوله : { التَّائِبُونَ العَابِدُونَ . . . } ومَنْ رَضِيَ بما اشتراه فإنَّ له حقَّ الردِّ إذا لم يَعْلَمْ العيبَ وقتَ الشِّراء ، فأَمَّا إذا كان عالماً به فليس له حقُّ الردِّ؛ قال تعالى : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ }[ الدخان : ٣٢ ] . ويقال مَنْ اشترى شيئاً فَوَجَدَ به عيْباً ردَّه على مَنْ منه اشتراه ولكنه - سبحانه - اشترى نفوسَنا منه ، فإذا أراد الردَّ فلا يردُّ إلا على نَفْسِه؛ قال تعالى : { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّه مَوْلاَهُمُ الحَقِّ } وكما أنَّ الردَّ إليه فلو ردَّنا كان الردُّ عليه . قوله تعالى : { التَّائِبُونَ } أي الراجعون إلى اللّه ، فَمِنْ راجعٍ يرجع عن زلَّتِه إلى طاعته ، ومِنْ راجع ، يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه ، ومِنْ راجعٍ يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه ، ومِنْ راجعٍ يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جِنْسِه إلى الاستغراق في حقائق حقِّه . ويقال تَائِبٌ يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله؛ فيجد غداً فنونَ أفضاله ، وصنوفَ لطفه ونواله ، وتائبٌ يرجع عن كل غيرٍ وضدٍ إلى ربِّه بربِّه لربِّه بِمَحْوِ كلِّ أَرَبٍ ، وعَدَمِ الإحسان بكلِّ طلب . وتائب يرجع لحظِّ نَفْسِه من جزيل ثوابه أو حَذَراً - على نفسه - من أليم عذابه ، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه ، وتائب يرجع طلباً لفرح نفسه حين ينجو مِنْ أوضاره ، ويخلص من شؤم أوزاره ، وتائب يرجع لَمَّا سمع أنه قال : إنَّ اللّه أَفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِه من الأعرابي الذي وَجَدَ ضَالَّتَه - كما في الخبر ، ( وشتَّان ما هما )! وأنشدوا : أيا قادماً من سَفْرَة الهَجْر مَرْحَبَا ... أُنَادِيكَ لا أنساكَ ما هبَّتْ الصَّبَا وأمَّا قوله { العَابِدُونَ } : فهم الخاضعون بكلِّ وجه ، الذين لا تَسْتَرِقُّهم كرائمُ الدنيا ، ولا تستعبدهم عظائمُ العُقْبَى . ولا يكون العبدُ عبداً للّه - على الحقيقة - إلا بعد تجرُّدِه عن كل شيءٍ حادثٍ . وكلُّ أحدٍ فهو له عَبْدٌ من حيث الخِلْقة؛ قال تعالى : { إن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ ءاتِى الرَّحْمَنَ عَبْدًا } [ مريم : ٩٣ ] . ولكنَّ صاحبَ العبودية خاصٌّ . قوله جلّ ذكره : { الحَامِدُونَ } . هم الشاكرون له على وجود أفضاله ، المُثْنُونَ عليه عند شهود جلاله وجماله . ويقال : الحامدون بلا اعتراضٍ على ما يحصل بقدرته ، وبلا انقباضٍ عما يجب من طاعته . ويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه . ويقال الحامدون إذا اشتكى مَنْ لا فُتُوَّة له المادحون إذا بكى مَنْ لا مروءةَ له . ويقال الشاكرون له إنْ أدناهم ، الحامدون له إن أقصاهم . قوله جلّ ذكره : { السَّائِحُونَ } . الصائمون ولكن عن شهود غير اللّه ، الممتنعون عن خدمة غير اللّه ، المكتفون من اللّه باللّه . ويقال السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار طلباً للاستبصار ، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكُّر في جوانبها ومناكبها ، والاستدلال بتغيُّرها على مُنْشِئِها ، والتحقق بحكمةِ خالِقها بما يَرَوْنَ من الآيات فيها ، ويسيحون بأسرارهم في الملكوتِ فيجدون رَوْحَ الوصال ، ويعيشون بنسيم الأنْسِ بالتحقق بشهود الحق . قوله جلّ ذكره : { الرَّاكِعُونَ } . الخاضعون للّه في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلِّي ، وفي الخبر . ( إن اللّه ما تجلَّى لشيءٍ إلا خَشَع له ) . وكما يكون - في الظاهر - راكعاً يكون في الباطن خاشعاً ، ففي الظاهر بإحسان الحقِّ إليه يُحْسنِ تولِّيه ، وفي الباطن كالعيان للعيان للحقِّ بأنوار تجلِّيه . قوله جلّ ذكره : { السَّاجِدُونَ } . في الظاهر بنفوسهم على بِساط العبودية ، وفي الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية . والسجود على أقسام : سجود عند صحة القصود فيسجد بنعت التذلل على بساط الافتقار ، ولا يرفع رأسه عن السجود إلا عند تباشير الوصال . وسجودٌ عند الشهود إذا تجلَّى الحقُّ لقلبه سَجِدَ بقلبه ، فلم ينظر بعده إلى غيره ، وسجودٌ في حال الوجود وذلك بخموده عن كليته ، وفنائه عن الإحساس بجميع أوصافه وجملته . قوله جلّ ذكره : { الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّه وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ } . هم الذين يَدْعُون الخَلْقَ إلى اللّه ، ويُحَذرونهم عن غير اللّه . يتواصَوْن بالإقبال على اللّه وتَرْكِ الاشتغال بغير اللّه . يأمرون أنفسَهم بالتزام الطاعات بِحَمْلِهم إياها على سَنَن الاستقامة ، ويَنْهَوْن أنفسَهم عن اتِّباع المنى والشهوات بِتَرْكِ التعريج في أوطان الغفلة ، وما تعودوه من المساكنة والاستنامة . والحافظون لحدود اللّه ، هم الواقفون حيث وقفهم اللّه ، الذين لا يتحركون إلا إذا حَرَّكَهم ولا يَسْكنُون إلا إذا سكنهم ، ويحفظون مع اللّه أنْفَاسَهُمْ . |
﴿ ١١٢ ﴾