١٠١قوله جلّ ذكره : { رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } . في حرف تبعيض؛ لأن المُلك- بالكمال - للّه وحده . ويقال المُلْكُ الذي أشار إليه قسمان : مُلْكُه في الظاهر من حيث الولاية ، ومُلْكٌ على نفسه حتى لم يعمل ما همَّ به الزَّلَّة . ويقال ليس كلُّ مُلْكِ المخلوقين الاستيلاَءَ على الخْلق ، إنما المُلْْكُ- على الحقيقة - صفاءُ الخُلُق . قوله : { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْويِلِ الأَحَادِيثِ } : التأويل للخواص ، وتفسير التنزيل للعوام . قوله جلّ ذكره : { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِّىِ فِى الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحَقْنِى بِالصَّالِحِينَ } . { فَاطرَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ } - هذا ثناء ، وقوله : { تَوَفَّنِى } - هذا دعاء . فَقَدَّمَ الثناء على الدعاء ، كذلك صفة أهل الولاء . ثم قال : { أَنتَ وَلِىِّ في الدنيا والأخرة } هذا إقرارٌ بِقَطْع الأسرار عن الأغيار . ويقال معناه : الذي يتولَّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنتَ ، فليس لي غيرك في الدارين . قوله : { تَوَفَّنِى مُسْلِماً } : قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة . وقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً ، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً ، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً ، ثم لماتمَّ له المُلْكُ ، واستقام الأمر ، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً ، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال : { تَوَفَّنِى مُسْلِماً } فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه ( سبحانه ) . وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه اللّه يقول . قال يوسف ليعقوب : عَلِمْتَ أنَّا نلتقي فيما بعد الموت . . فلِمَ بَكيْتَ كلَّ هذا البكاء؟ فقال يعقوب ، يا بُنَيّ إنَّ هناك طرُقاً ، خِفْتُ أن أسلكَ طريقاً وأنت تسلك طريقاً ، فقال يوسف عند ذلك : { تَوَفَّنِى مُسْلِماً } . ويقال إن يوسف - عليه السلام - لما قال : توفني مسلماً ، فلا يبعد من حال يعقوب أن لو قال : يا بني دَعْني أشتفي بلقائك من الذي مُنِيتُ به في طول فراقك ، فلا تُسْمِعْني - بهذه السرعة - قولَكَ : توفَّنِي مسلماً . |
﴿ ١٠١ ﴾